Monday, January 6, 2014

فراءة فى رواية (سيدة المقام)للروائي الجزائرى واسينى الأعرج /صلاح الدين سر الختم على


التناص بين مريم السودانية ومريم الجزائرية: هذا الدمع من ذلك النهر
بين مريم واسينى الأعرج** ومريم *الطيب صالح ملامح مشتركة
صلاح الدين سر الختم على
فرغت للتو من قراءة رواية سيدة المقام للروائى الجزائرى واسينى الأعرج، وهى رواية رائعة بكل ماتعنى الكلمة، هى أنشودة طويلة وحزينة للحياة والحب والحرية والجمال، مثل بطلتها راقصة الأوبرا الجزائرية مريم التى ترقص مذبوحة من الألم فى زمن توارت فيه كل ملامح الجمال ومظاهره من عالمنا العربى بفعل فاعل زنيم وأخلت السبيل لقبح القادمين الجدد الذين شنقوا الشجر والزهور وأحرقوا اللوحات والمراسم والمسارح والحقول وزرقة السماء والبحر ولونوا كل شئ بلون الدم والفجيعة والموت المجانى والتصحر الفكرى والثقافى.تتماهى الرواية مع موضوعها حين تختار راقصة أوبرا تحتضر على طول الرواية بطلة لها فى أشارة لإحتضار الثقافة ورموزها فى الأوطان العربية وذبولها،تموت مريم وهى تحاول عبثا حماية عالمها من الانهيار، ترقص وفى رأسها رصاصة مستقرة تشكل تهديدا مباشرا لحياتها، ترقص والمسارح تغلق ويتم تحويلها الى معسكرات إيواء يسيطر عليها القادمون الجدد من كهوف التاريخ.تموت مريم موتاً أسطورياً يصاحبه ضجيج كبير داخل بطل الرواية استاذ مادة الفن الكلاسيكى، ويصاحب الموت صمت خارجى رهيب، صمت يقول ان موت الثقافة ليس جريمة فرد واحد وليست جريمة ضد مبدع وحيد، بل هى مقتل أمة وجريمة عصبة سوداء أخطبوطية الأيادى.الرواية تستدعى الدمع ماطرا من الغلاف الى الغلاف، لاتترك لك مجالا لأخذ الأنفاس، يسكنها الموت والفجيعة والمصائر المظلمة والشخصيات المسحوقة المنزوعة الخصوبة والجمال بقدر ما تسكنها أرواح متوهجة مثل روح مريم التى تبدو وسط الخراب الشامل مخلوقا نورانيا قادماً من عالم آخر. ترصد الرواية بقسوة معالم ومظاهر ما يجرى فى الوطن العربى من تدمير متعمد للبنية الفكرية والثقافية لمجتمعاتنا العربية وإحلال لبنية عدوانية شرسة حاقدة مسكونة بالكراهية وعاشقة للدم والتدمير لكل ماهو قائم ، يبدو المشهد برمته مسكونا بالغرابة، قوة مدمرة تصول وتجول ، تهدم بسرعة وتدمر وتدخل العقول كالسرطان وتستولي عليها مثلما يستولى لص على مفاتيح سيارة ثم ينطلق بها الى الاتجاه الذى يريده، هكذا سيطرت هذه القوة المدمرة على مفاتيح العقول وحولت أصحابها الراسفين تحت وطأة الفقر والجهل الى أبشع أدوات تدمير عرفتها البشرية، هكذا يبدو المشهد على امتداد الرواية وهو مشهد يبدو مألوفا على امتداد الوطن العربى،ابتداء من العراق الذى جرى مسخه ويجرى تدميره حجرا حجرا وحقلا حقلا وتسقط نخلاته على وجهها فى كل صباح وتغيب فى رقصة الموت الأخيرة،الكل مشغول بالتدمير الذاتى عن العدو المبتسم هانئا سعيدا ممسكا بخيوط الفوضى موزعا لها على الأيادى التى يفترض بها ان تردعها، ونفس المشهد يتكرر فى ليبيا ، حيث يتقاتل المتقاتلون وتوزع عليهم الساحرة الشريرة المتفجرات والأسلحة بالتساوى وتغنى لهم أغنية الحرب والموت والاحتراق الداخلى، وهو المشهد نفسه يتكرر فى اليمن والسودان ومصر وسوريا بدرجات متفاوتة، يختلف اللاعبون والملعب واحد وخيوط الدمى بيد واحدة،تمضى العروبة مثل مريم بطلة الرواية نحو موتها راضىة مستسلمةورصاصة مستقرة بالرأس تزعج ماتبقى لها من حياة، رصاصة أطلقتها يد وطنية فى احتراق داخلى. رصاصة استهدفت مركز الفكر فى الجسد دون سواه، فهى رصاصة ذات دلالة لاتغيب عن الفطنة.والغريب ان الرواية مكتوبة فى 1991 حسب تذييل الكاتب لها، مما يعنى انها اشتملت على نبوءة مبكرة  بما جرى فى السنوات اللاحقة على الساحة العربية، وليس فى ذلك عجب فقد بدأ الذبول العربى فى الجزائر فى الثمانينات حيث شهدت بدايات هجمة التصحر الثقافى ومشهد تلوين البحر وزرقة السماء بلون الدماء، وكانت الرواية أحد أهم الأصداء التى رصدت ذلك التحول فى المجتمع الجزائرى وكانت رواية ذاكرة الجسد للكاتبة أحلام مستغانمى اللاحقة لها فى الصدور( بعد سنة من صدور سيدة المقام) التى صدرت فى 1996 فى طبعتها الأولى.كانت علامة أخرى على طريق قراءة المبدعين لما يجرى.
تتمدد مريم فى رواية واسينى الأعرج مثل نسر أسطورى يحجب الشمس عن الأرض ، تحلق مريم بجناحيها فوق أسقف المدن العربية الغارقة فى الدم والخطايا والظلمة والأقبية السرية ومخادع السلاطين الفاجرة، ترفع عنها ورقة التوت ، تجعل عوراتها ظاهرة تحت الشمس ونباح كلابها أعلى من صوت المآذن كما هو فى حقيقته المرة،مريم المحرومة من الرجولة الحقة فيتم تزويجها لعنين كما فعل بأمها قبلها حين قتلوا رجلها الشهيد الذى أودع فى رحمها مريم نطفة وحيدة مقدسة وغير صالحة للتداول فى هذا الزمان، وبعد ان قتلوه زوجوا الأم لشقيق الشهيد العنين العاجز المتقلب فى المواقف بين أصله وبين ما هو سائد، إن وحدة مصير مريم وأمها هى نقطة جديرة بالتوقف عندها، مريم هى كل النساء ، وأمها هى كل النساء،كلتاهما كانتا لرجل لم تعرفا الرجولة معه بل عرفتاها مع رجل أحببنه، فى حالة الأم كان الزوج الأول الذى تزوجته باختيارها، وفى حالة مريم كان استاذها الراوى الذى جمع بينها وبينه حب الموسيقى والحياة، وكأن النص يقول ان التكامل الروحى والجسدى أساسه الحب والتفاهم وليس ورقة رسمية تسمى عقد زواج.يبكى واسينى مريمه بكائية تتشابه مع بكائية (محيميد)الطيب صالح لمريمه، فيقول بطل واسينى)ماذا بقى منك الآن يامريم؟ تنامين داخل برادات الموت، وحيدة بعد أن نزعت منك الرصاصة الطائشة روحك فى ذلك المستشفى البارد القاسى. أقرأ عينيك لحظة الحسرة التى تنام فى الحلق.ماذا بقى منك يا مريم؟ كثير من الحنين وكسر عميق مثل محيط هذا الخراب الذى ىزداد اتساعا يوما بعد يوم. كل الأغاني والأحزان ومشاق الوحدة، صارت تؤدي اليك.)ص 213 سيدة المقام.
 ويواصل (رائحة جسدك ماتزال عالقة بجسدى مثل الذاكرة المثقلة بالأوشام والتواريخ والأرقام والسحب التى ركضنا وراءها ذات طفولة فقيرة. والبحر الذى كلما اكتشفناه ولمسنا اتساعه، ازددنا صغرا.شئ ما فى طفولتنا المشتركة، يحن الى ذاته المقتولة، نبحث داخل الكلمات عن أشيائنا الضائعة.)ص217 سيدة المقام.
ولنسمعها وهى تنعى  الوطن والزمن:جاء بنوكلبون.وهاهم يمضون، يأتى حراس النوايا ويمضون.وتأتى فلول أخرى وتمضى ونأتى نحن ونمضى، لكن شيئا واحدا سيبقى أبدا، هو هذا الصدى الملئ بالعشق والحب والحنين، الذى يحول قلوبنا الى نور مشع.) سيدة المقام 252 ،253. ويرسم واسينى لمريم مشهدا فانتازيا مماثلا لمريم الأخرى عند الطيب صالح:(أغمضت عينيها، غامت وسط الغمامة البنفسجية بهدوء، وظلت تغرق فى داخلها حتى أختفت نهائيا عن الأنظار، شئ من السحر داخل موسيقى البالية والأوبرا يحولها إلى نور شفاف جداً.) سيدة المقام ص 254.
ثم يورد مشهدا يصل حد التطابق مع مشهد رسمه الطيب صالح لمريمه وهى تمسى شعاعا:( تتمايل مريم مثل ورقة البلاطان، تدور، تدور، كالنحلة، شعرها الآسيوى المتفحم، الذى يميل نحو زرقة مشعة، ينحل، يتبعثر فى الفضاءمشكلا ظل دائرة عملاقة، أصبح قزحيا تحت الأنوار المنكسرة التى أعطته انعكاسا فوسفورياً مدهشاً.) سيدة المقام ص 255.
ولنرى روعة التناص بين المبدعين الكبيرين نقتبس هنا المشهد المماثل الذى كتبه الطيب صالح عن مريم الأخرى ونواح عاشقها عند موتها: (.لم يكن حلماً. أبداً.كانت مريم نائمة على كتفى، سرت بها على ضفة نهر إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها، انفلتت منى وقفزت فى الماء.كانت عارية، أشحت عنها، ولكننى لم أطق صبراً فأدرت لها وجهى، نظرت، فإذا هى فى بركة من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شئ وتعلقت بجسدها.كانت تغطس وتقلع وتختفى هنا وتظهر هناك، وتضحك لى من جهة اليمين، ثم إذا هى تنادينى من جهة اليسار. نعم .نعم .نعم. أريد أن أغرق فى نبع ذلك الضوء الذى ليس من أضواءهذا الزمان ولا هذه الأرض. لكننى ترددت، ليس أكثر مما يطرف جفن العين، فى تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف.) مريود/ الطيب صالح.

مريم الأخرى فى رواية مريود للطيب صالح
رواية (مريود) للطيب صالح الشخصية المحورية والمهيمنةفيها كانت هى الأخرى شخصية أنثى تدعى مريم بت ود جبر الدار وهى تجسد المرأة السودانية الطموحة المكبلة بالتقاليد والعرف الاجتماعي  وهى الأخرى مثل مريم واسينى حلقت بأجنحة من أحلامها وطموحها وشخصيتها القوية المتمردة على الواقع، ولكنها هى الأخرى أجهضت أحلامها ووئدت وتحولت إلى أنشودة طويلة حزينة فى جوف عاشقها مريود أو محيميد وهو الأخر مثل بطل واسينى خرج خارج دائرة الظلام وتعلم فى ثقافة أخرى وعاد الى الواقع محاولا تغييره، لكن قواه لم تسعفه، ومثلما ماتت مريم السودانية ظامئة عند النهر وهى تكافح الحمى التى استقرت بجسدها وفتكت بهاوهى تتغنى بالحب والمحبة، ماتت مريم الجزائرية ظامئة تصارع رصاصة أستقرت فى رأسها. كل منهما ظلت تكافح ببسالة حتى الرمق الأخير.
مريم السودانية هى مثلها لها أحلام مشروعة بسيطة، لكن الموت حال بينها وبين أحلامها، لكن روحها بقيت فى المكان مهيمنة مسيطرة وقوية ورافضة للموت. هكذا يصفها الطيب صالح فى رائعته (مريود) من داخل ذاكرة عاشقها محيميد أو مريود:
(وأطلق اسمها على مريم " القنديل " تسميه مريود ويسميها مريوم . رف طيف الصبا مثل برق في أفق بعيد ، وأحس للحظة عابرة ، مذاق الثمر ، ونهد مريم يضغط على صدره وهما متماسكان في الماء . كان ثغرها مثل برق يشيل ويحط . ينتظرانها هو ومحجوب خارج الحي في الصباح . ومعهما الجلباب والعمة والحذاء ، وما تلبث مريم أن تخلع هذا وتكتسي هذا فتتحول من بنت إلى ولد . كانت تتعلم كأنها كانت تتذكر أشياء كانت تعرفها من زمن . ثلاثة أعوام والخدعة لم تنكشف . لم يتركوا حيلة لم يلجأووا إليها . ثم فارت الطبيعة فورتها ، وأخذ جسم مريم يذعن لنداء الحياة الأعمق . وذات يوم استقرت عينا الناظر عليها وهي مدبرة عنه في حوش المدرسة . اعترفت في الحال كأنها كانت قد سئمت اللعبة . غضب أول الأمر ، ثم لاحت له وجوه الطرافة في الموضوع ،) الأعمال الكاملة/ الطيب صالح / مريود ص 255.
 ثم يصور من ذاكرته طموحها وإصرارها على التعلم فى مجتمع ينكر على المرأة حقها فى التعليم(مضوا يحفرون القبر وأنا أرى مريم طفلة دون الرابعة، تقرأ معنا القرآن فى خلوة حاج سعد، فعلت ذلك قدرة واقتدارا.لاراد لرغبتها العارمة فى فك طلاسم الحروف، تجئ فنطردها فلا تنطرد، فاضطررنا أنا ومحجوب أن نعلمها، فكأننا أطلقنا جنا من قمقم.أخذت تقرأ وتحفظ وتفهم، حتى لحقت بنا وكادت تفوتنا، وصارت تقارعناالآية بالآية والسورة بالسورة.) الأعمال الكاملة/ الطيب صالح/ مريود/ ص285 ويصور كيف تنكرت مريم فى زى صبى حتى تدخل المدرسة وتقرأ فيها متجاوزة قانون منع البنات من التعليم.
 ويصور طموحها ورغبتها في حياة أفضل(تقول وهى تجر عمامتى من رأسى:
"نسكن البندر، سامع ؟ البندر، الموية بالأنابيب والنور بالكهرباء والسفر سكة حديد، فاهم؟ اتمبيلات وتطورات، اسبتاليات ومدارس وحاجات وحاجات، البندر ، فاهم؟ الله يلعن ود حامد، سجم ورماد.فيها المرض والموت ووجع الرأس. أولادنا كلهم يطلعوا أفندية.فاهم؟ زراعة أبدا، وحياة محجوب أخوى زراعة ما نزرعها أبدا!") الأعمال الكاملة / الطيب صالح/ مريود ص 282.
ثم يصور الطيب صالح مريم فى لحظات الرحيل وهى تعود الى النهر ليصنع منها أسطورته الخالدة فى مشهد فانتازى مهيب ( كانت مثل طائر. رفعها محجوب  من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، وسمعت هبوب أمشير تنادينى بلسان مريم" لاشئ.لا أحد." خطا بها نحو القبر فاعترضت طريقه ومددت يدى، نظر الى برهة ، ورأيت عينيه ترفان وتغرورقان، فتركها لى، كانت خفيفة مثل فرخ طائر وأنا أسير بها فى طريق طويل يمتد من بلد الى بلد ومن سهل الى جبل.لم يكن حلماً. أبداً.كانت مريم نائمة على كتفى، سرت بها على ضفة نهر إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها، انفلتت منى وقفزت فى الماء.كانت عارية، أشحت عنها، ولكننى لم أطق صبراً فأدرت لها وجهى، نظرت، فإذا هى فى بركة من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شئ وتعلقت بجسدها.كانت تغطس وتقلع وتختفى هنا وتظهر هناك، وتضحك لى من جهة اليمين، ثم إذا هى تنادينى من جهة اليسار. نعم .نعم .نعم. أريد أن أغرق فى نبع ذلك الضوء الذى ليس من أضواءهذا الزمان ولا هذه الأرض. لكننى ترددت، ليس أكثر مما يطرف جفن العين، فى تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف.) مريود/ الطيب صالح / الاعمال الكاملة/ص290
ثم تخاطبه مريم بلهجة صوفية خالصة(واحسرتا عليك يامحبوبى، خير الزاد أنا..إنني مفارقتك من هنا. لاشبع لك من بعدى ولارى، ولاشفيع ولانجى، فأضرب حيث شئت، وتزود إن استطعت وأطلب النجاة ،إلى أن تلقانى فأعطيك المن والسلوى)ص 292 المرجع نفسه.
نسمع صوت مريم تناجى مريود فى النسخة السودانية :( وسمعت صوتها كأنه ينزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياح وتنشره رياح: يا مريود. أنت لا شيء، أنت لا أحد يا مريود، إنك اخترت جدك وجدك اختارك لأنكما أرجح من موازين أهل الدنيا. وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد أحب بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر، وأقام على سفر، وفارق على عجل، حلم أحلام الضعفاء، وتزود من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة..) مريود / الطيب صالح/ الأعمال الكاملة/ ص292.
يصف الطيب صالح رحيل مريم بشجن ساحر:(دفناها عند المغيب كأننا نغرس نخلة، أو نستودع باطن الأرض سراً عزيزاً سوف تتمخض عنه فى المستقبل بشكل من الأشكال، محجوب قبل خدها، وأنا قبلت جبهتها، وكاد الطريفى يهلك من البكاء، وحملناها برفق نحن الستة ووضعناها على حافة القبر، أسمع ذلك الصوت الذي ليس مثله  صوت يجئينى من بعيد مثل ناى سحرى فى غلالة من أضواء الأقمار فى ليالي الصيف، ولمع الشعاع على سعف النخل الندى، ووهج النوار فى حدائق البرتقال.) المرج السابق ص 282.
ملامح الشبه بين (المرايم )فى الروايتين كثيرة ومتعددة، فكل منهما كانت خائبة فى الحب، أحبت ولم تظفر بحبيبها، بل ظفر بها من لم تحب،أرادت حياة وفرضت عليها حياة أخرى، حلقت بخيالها وطموحها فاكتشفت أنها مكبلة بقيود من حديد وعانت من الهزيمة النفسية وقسوتها ولكن إرادتها مع ذلك لم تنكسر،كان المريود فى الحالتين سلبيا يكتفى بالفرجة وذرف الدموع عند قبر المحبوبة التى تواسيه من داخل قبرها وتحاول بث روح المقاومة فيه،صورة محيميد بطل الطيب صالح فى (مريود) تكاد تتطابق مع صورة استاذ مادة الفن الكلاسيكى البطل عند واسينى الأعرج فى (سيدة المقام) فى كل شئ، حتى فى رد الفعل عند موت المحبوبة ورغبة كل منهما فى منحهاعمرا جديداً وعدم الاعتراف بموتها، فكل منهما جعل منها شعاعاً وأنشودة للحياة عند أعتاب موتها.كل منهما جعل منها سيدة مقام رفيع وظل يدور حول مقامه كدرويش مسحور بلا توقف. وبذلك يتحد النصان فى ملمح آخر هو ذلك النفس الصوفى الواضح حتى فى العنوان( مريود) و (سيدة المقام)فالمفردة الصوفية واضحة جدا وموحية ومحيلة الى أجواء صوفية حميمة يحفل بها النصان حتى فى طريقة السرد التى اعتمدت على السرد من الحاضر رجوعا الى الماضى( فلاش باك.) معطوناً فى الحنين والحزن والشجن والأشواق الموؤدة وبناء الأسطورة الخاصة بصاحب المقام تماما كما يفعل الصوفية حين يسردون كرامات أصحاب المقام.لكن فى النصين يكتشف القارئ ان ما بدا مرثية شخصية هو فى الحقيقة مرثية وطن وأمة مسحوقة تحت الأقدام، وأن المرايم فى الحقيقة هن رمز أكثر منهن نساء من لحم ودم. وذلك ملمح آخر مشترك بين الكاتبين والنصين وهو استعارة الفردى لخدمة ما هو عام وسرد قصة أمة عبر قصة أنثى تسيطر على السرد مثل نسر أسطوري.
الغرض من الإشارة الى التناص هنا هو ليس للتدليل على ان هذا النص أو هذا الكاتب أخذ من ذلك، فكلا الكاتبين قامة سامقة بطريقته وإبداعه، بل الغرض هو مسائل جمالية ومعرفية وثقافية بحتة،تتعلق بمفهوم التناص نفسه وتجلياته فى الأدب العربى الحديث والقديم.
التناص في الأدب هو مصطلح نقدي يقصد به وجود تشابه بين نص وآخر أو بين عدة نصوص. وهو مصطلح صاغته جوليا كريستيفا للإشارة إلى العلاقات المتبادلة بين نص معين ونصوص أخرى، وهي لا تعني تأثير نص في آخر أو تتبع المصادر التي استقى منها نص تضميناته من نصوص سابقة ، بل تعني تفاعل أنظمة أسلوبية . وتشمل العلاقات التناصية إعادة الترتيب ، والإيماء أو التلميح المتعلق بالموضوع أو البنية والتحويل والمحاكاة.وهو من أهم الأساليب النقديه الشعرية المعاصرة وقد تزايدت أهمية المصطلح في النظريات البنيوية وما بعد البنيوية. وهو مصطلح أريد به تقاطع النصوص وتداخلها ثم الحوار والتفاعل فيما بينها.
الناقد الفرنسى ت. تودوروف أشار إلى المصطلح بصفة عرضية قائلاً "أنه من الوهم أن نعتقد بأن العمل الأدبي لـه وجود مستقل، أنه يظهر مندمجاً داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة وعليه يتحول كلّ عمل فني يدخل في علاقة معقدة مع أعمال الماضي .
 فسواء كان المصطلح تناصا أم حوارا، تداخلا أم تعالي أم تماهي أم نظير نصي، فهو تقاطع لنصوص اختمرت في الشبكة الذهنية للمبدع، فهذه الاختراقات تتم بصفة لا شعورية تكون جلية أو خفية يستقرئها القارئ النموذجي، الذي يستطيع أن يكتشف ما وراء السطور، وهذا الذي سماه مايكل ريفاتير "بالقارئ الخارق" وسماه نقاد آخرون القارئ المطلع أو القارئ الكفء". فالقارئ الذي توكل له مهمة البحث بين ثنايا السطّور يختلف عن القراء العاديين، فهو يقبل على النص بمعرفة مسبقة، وهى التي تكسبه القيم التأويلية التي تظهر من خلال روافد النص، وذلك بربطه بالنصوص الأخرى، ومعرفة جينية الفكرة التي يكون المبدع بصدد التعريف بها، في طريقة يتفاعل بها مع الماضي والحاضر والمستقبل. التناص فى تقديري ينتج معرفة جديدة بالنصوص والعلاقات السرية بينها والتى قد ترجع الى عوامل عديدة، من بينها تشابه المصائر والواقع والإشكالات الموجودة فيه، وقد لايتوافر كل ماتقدم، ولكن الينابيع الثقافية المشتركة تجعل مياها مشتركة كثيرة تجرى تحت الجسر برغم اختلاف الزمان والمكان بين كتاب النصوص. هذه المقاربة النقدية بين النصين تكشف الشفافية العالية للمبدعين، فكل منهما رأى ما لم يراه الناس فى زمانه وسبق الأحداث ببصيرته ورأى شجراً يسير ، صرخ بقومه محذراً، فلم يلتفت إليه أحد، فكان الحريق فى السودان فى مشهد التسعينات العاصف الذى انتهى بالسودان دولتين ودول تتأهب للانشطار، وفى الجزائر كان المشهد عاصفا ولايزال.أما فى عالمنا العربى الكسيح فالصورة لاتحتاج الى تعليق، ودموع مريم ومريم الأخرى سالت فى كل الدول العربية تقريبا، بلا جدوى، ولازال بلدوزر الموت يحصد الرؤوس ويحيل المسارح مقابرا كما حدث لصالة مريم الجزائرية بأسم ربيع مزعوم هو فى الحقيقة نقيضه، هو أنهار من الدم والدمار لبنية المجتمعات العربية، ولازالت الصفوف تمضى نحو القبور باكية حزينة مثل بطلا الروايتين، وكأنهما كانتا ترسما بريشة واحدة صورة فاجعة لما يجرى.ولايقف التناص فى الروايتين بين (مريم) و(مريم)، بل يمتد ليكون (محيميد) و(استاذ الفنون) نسخة مكررة فى صراعها ومصيرها واكتشافهما لذاتهما على وقع فجيعة موت مريم:يقول بطل سيدة المقام:(مريم!! ما أبهجك!! وأنا داخل آلامك الكثيرة.إنى متعب.دعينى أنام.أريد أن أغفو إغفاءة المتصوف الحزين الذى لم يعد يرى إلا أوجه الصحبة الأجلاء) ثم يصرخ:(كه ..كه..بربك انت استاذ جامعى؟ وكاتب؟ وعاشق للفن الكلاسيكي؟ يارجل يكفى من النكت.أنت لاشئ فى هذا الفضاء المؤكسد.حراس النوايا كانوا محقين عندما قالوا لك،يكفى من الفستى(الكذب)، أستاذ الزفت، لاشئ فيك يثبت هويتك التى لم يسأل عنها حتى حراس النوايا.مامعنى الهوية فى وطن ليس لك؟) ص273  ثم يبدأ جلد الذات بقسوة تحت وقع المعاملة المهينة التى تعرض لها بعد موت مريم لتضيف الى الحزن يأساً:
(من تكون؟رموك فى مزبلة فى نهاية المطاف.شحنوك فى أول سيارة بلدية مخصصة لجمع القمامة ثم رموك مثل الأشياء المستهلكة فى مزبلة الأحياء الفقيرة. كنت بين الدوخة والدوخة ،تستنشق كل وساخات الدنيا. كانت الروائح كريهة جدا)سيدة المقام ص274
وفى مريود يتعرض محيميد لتجربة مماثلة ولكن السوط الذى لسعه بالحقيقة كان صوت مريم:(العيون عيون مريود والخشم خشم مريود، والحس حس مريود.لكين انت ما مريود.) ص 289 الإعمال الكاملة.
( يامريود، أنت لاشئ، أنت لاأحد يامريود، إنك اخترت جدك وجدك أختارك لأنكما أرجح فى موازين أهل الدنيا) وتنتهى الرواية ومريود يؤمن على هذا الكشف قائلا( نعم. قلت نعم)ص292. تبقى سيدة المقام رواية مكتوبة بنفس واحد مثل الصهيل، أنشودة محبة طويلة وكتاب حزن نبيل، وحفر بالأظافر فى شوراع يخلى الجمال فيها الطريق للقبح، وتسحق الورود فيها بالأحذية وترفع المصاحف على أسنة رماح القتلة وحرابهم فى كل صباح، إنها بحق رواية المشهد العربى المعاصر.
صلاح الدين سر الختم على
الخرطوم
السادس من يناير 2014


المراجع:
1/سيدة المقام/ رواية/ واسينى الأعرج/ موفم للنشر1997/الطبعة الأولى 1996. الرواية مكتوبة فى 1991.
2/مريود/ رواية/ الطيب صالح/ الأعمال الكاملة/ دار العودة/ الطبعة الأولى دار الجيل
الرواية مكتوبة فى 1983 ونشرت فى 1987.
3/  رولان بارث، لذة النص، تر فؤاد صفا والحسين سبحاز، دار توبقال للنشر، طـ.1 1988.
4/علم النص – جوليا كريسيتفا : ترجمة فريد النراهي ، توبقال للنشر ،

*الطيب صالح (1929 - 18 فبراير 2009)، أديب سوداني وأحد أشهر الأدباء العرب أطلق عليه النقاد لقب "عبقري الرواية العربية". عاش في بريطانيا وقطر وفرنسا.

الطيب صالح - أو "عبقري الرواية العربية" كما جرى بعض النقاد على تسميته- أديب عربي من السودان، اسمه الكامل الطيب محمد صالح أحمد. ولد عام (1348 هـ - 1929م) في إقليم مروي شمالي السودان بقرية كَرْمَكوْل بالقرب من قرية دبة الفقراء وهي إحدى قرى قبيلة الركابية التي ينتسب إليها، وتوفي في أحدي مستشفيات العاصمة البريطانية لندن التي أقام فيها في ليلة الأربعاء 18 شباط/فبراير 2009 الموافق 23 صفر 1430 هـ. عاش مطلع حياته وطفولته في ذلك الإقليم، وفي شبابه انتقل إلى الخرطوم لإكمال دراسته فحصل من جامعتها على درجة البكالوريوس في العلوم. سافر إلى إنجلترا حيث واصل دراسته، وغيّر تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية السياسية.

**واسيني الأعرج. روائي جزائري يكتب بالفرنسية والعربية (ولد 8 أغسطس 1954 بقرية سيدي بوجنان الحدودية- تلمسان)
اعماله:
البوابة الحمراء(وقائع من أوجاع رجل). دمشق/ الجزائر 1980
طوق الياسمين (وقع الأحذية الخشنة). بيروت1981 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2002 Libre Poche )
ما تبقّى من سيرة لخضر حمروش. دمشق 1982
نوار اللوز. بيروت 1983 - باريس للترجمة الفرنسية 2001
مصرع أحلام مريم الوديعة. بيروت 1984 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001 Libre Poche )
ضمير الغائب. دمشق 1990 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001 Libre Poche )
الليلة السابعة بعد الألف: الكتاب الأول: رمل الماية. دمشق/الجزائر 1993
الليلة السابعة بعد الألف: الكتاب الثاني: المخطوطة الشرقية. دمشق- 2002
سيدة المقام. دار الجمل- ألمانيا/الجزائر 1995 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001 Libre Poche )
حارسة الظلال. الطبعة الفرنسية. 1996- الطبعة العربية 1999 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001 Libre Poche )
ذاكرة الماء. دار الجمل- ألمانيا 1997 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2001 Libre Poche )
مرايا الضّرير. باريس للطبعة الفرنسية. 1998
شرفات بحر الشمال. دار الآداب. بيروت 2001، باريس للترجمة الفرنسية 2003 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2002 Libre Poche )
مضيق المعطوبين. الطبعة الفرنسية.2005 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2005 Libre Poche )
كتاب الأمير. دار الآداب. بيروت. 2005 - باريس للترجمة الفرنسية 2006 (سلسلة الجيب: الفضاء الحر-2006 Libre Poche )
رواية البيت الأندلسي . دار الجمل - 2010.
جملكية أرابيا منشورات الجمل 2011 م
راواية مملكة الفراشة ٢٠١٣ م






Sunday, December 22, 2013

نصوص جديدة ( القصة المسبحة)أو (قصة فى لوحات) أو (لوحات قصصية) بقلم/ صلاح الدين سر الختم على

 دخلت فى تجربة كتابة تجريبية لاأدعى لنفسى شرف ابتداعها من العدم ، فقد طورت بعض التجارب التى لامستها هنا وهناك واستخلصت منها منهجية الكتابة التى جربتها فى عدة نصوص وجدت تجاوبا وقبولا وإهتماما من العديد من المبدعين،بل ظهرت أصداء للتجربة هنا وهناك، التجربة تقوم على إيجاد مزج بين كتابة القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة والقصيدة المشهدية التى من أبرز كتابها أمل دنقل فى ديوانه أوراق الغرفة 8 وبعض قصائده التى تعتمد على تشطير القصيدة الى مشاهد منفصلة مع وحدة الموضوع، حاولت كتابة مجموعة من القصص القصيرة جدا  المستقلة ظاهريا بحيث تشكل كل قصة لوحة قائمة بذاتها، وفى نفس الوقت يكون هناك خيط يربط بينها جميعا مثلما يربط خيط المسبحة حباتها بعضها بعضا، ويكون المغزى المراد موزعا بين وحدات القص الصغيرةالتى تبوح مجتمعة بذلك الأثر الفنى. وتبدو القصة مكونة من لوحات تعطى مجتمعة ملمحا قصصيا واحدا وأثرا نفسيا واحدا، وفى نفس الوقت تتنوع اللوحات تنوعا لافتاً. فنيا لاتشترط القصة المسبحة وهو مصطلح اراه مناسبا للتعبيرعن هذا القالب ، لاتشترط التكثيف والنهاية الصادمة المطلوبة فى القصة القصيرة جدا، ذلك ان النهاية تتكون من مجموع اللوحات ووحدات القص ، وهنا يكون تمهل السرد مع الإيجاز فى الأحداث ولشخوص وتجنب الحوار والقفلة المقسمة الى عدة قفلات جزئية ، تتجه جميعها كخيران صغيرة نحو المصب، فى خاتمة النهايات، التى يشترط فيها أن تكون تتويجا للمغزى الكلى واكتمالا له، لايعتمد التصريح، بل التلميح والتتويج للأحداث الفرعية بحدث رئيس ، أشد وقعا، أكثرتوهجا،تلخيصا شاملا ولامعا لما قبله، بلا تقرير ولاتكرار. ويجب ان تكون الخاتمة بمثابة القشة التى قصمت ظهر البعير، وبمثابة التماعة البرق الكبيرة التى تضئ ماقبلها من ظلمة. 
قالب(القصة المسبحة) أو (القصة فى لوحات) هو قالب مرن، يقف فى منطقة وسطى بين القصة القصيرة والقصة والقصيرةجدا والرواية، فهو يسمح ببعض التمهل فى السرد لاتسمح به القصة القصيرة جدا، وهو يميل الى إيجاز وتكثيف لاتسمح به الرواية ولاتستسيغه القصة القصيرة التى تسمح ببعض الاستطراد والتفاصيل، وفى نفس الوقت يسمح هذا القالب بتمهل فى التعامل مع النهاية لاتسمح به القصة القصيرة ولا القصيرة جدا، لكنه ليس تمهل الرواية، انه تمهل رسام يرسم مشهدا واحدا مكونا من عدة لوحات متصلة بحبل سرى واحد، وهو تمهل كاتب قصة مصورة لاتكفى الصورة وحدها للبوح بمغزاها، فيستعين الكاتب باللغة.
هذه نصوصى الأولى فى هذه التجربة:

(غزل دائرى)قصة فى لوحات بقلم صلاح الدين سر الختم على
                   
(لهب)
عند ضفة النهر وقف ليلا يتغوط متلذذاًبفعلته وهو يتخيل نصف أهل القرى يشربون ما أودعه بقلب النيل،انشقت الظلمة عن مارد قبيح الهيئة واقفاً قبالته، نصفه فى الماء وهو كتلة من اللهب،ارتجف، تصبب عرقاً وارتجف، ابتسم المارد وقال(تعال نؤسس شراكتنا، تعال حيث مصباحك السحرى)، فابتسم ، وأشتعل فضولاً ،ودخل في جوف اللهب المستعر بلا وجل.صارمن فوره مارداً من لهب.
(عمل)
صنع أدوات عمله بإتقان تام، لم ينس شيئاً، ذاع صيته بالقرى والحضر،فات نصف عمر من لم ير مارد اللهب ،ما ضاع مصاغ أو سرق،إلا وأرشد عنه وكشف،وأعاده مثل إعادة البصر لكفيف قد يئس،من تعثر عمله وهبه العمل ومن فقد الأمل  فشفاؤه على يده قد اكتمل، ومن قلبه مسود قد فاض غلاً وهدر أعطاه بوريقة صغيرة شراً معتبر،نما هو وسدر فى غيه وما أزدجر، فى جوفه لهب وفى وجهه برق لمع.قد صار سيفا من لهب.
(قربان)
كانت الفتنة أنثى جميلة جاءتهما من أقصى المدينة تسعى، مال قلبيهما إليها وهفوا،وقف المارد عاجزاً عن الحل،فكلاهما ولده ومن صلبه،كسب الأصغر الرهان حين ناصرته النار، فسفح الأكبر دمه،قهقه المارد القبيح، وانفطر فؤاد مارد اللهب، حمل رمحا ورمى،أصاب الرمح قابيله، فهوى، لكنه ما أرعوي!!


(شجار)
تماسكا بالأيدي، تراشقا بالحجارة والشهب، والأحذية، تبادلا التهم، تبرأ كل واحد من الآخر،انطلق الرصاص، احترقا، لم يبق سوى سواد فوق سطح الماء ورجل وحيد يتغوط ليلاً متلذذا بفعلته ومارد قبيح يتهيأ لمغازلة أحلامه!!!
صلاح الدين سر الختم على
مروى
25 نوفمبر 2011

النص الثانى:
(رحلتها ) قصة فى لوحات/صلاح الدين سرالختم على

 (الكرة)
لم تكن قد أكملت عامها الثانى بعد، حين انهار البيت فوق رأسها الصغير،اختار أبوها حياة جديدة وزوجة أخرى، ومثله فعلت أمها، ومثلها فعلت جدتها، وجدت نفسها كرة ملعونة يركلها اللاعبون بلا توقف.فانزوت وزوت!!
(دروب)
غاب الأب فى مدينة بعيدة وانقطعت أخباره،زوج أمها لايطيقها، والأم عند قدميه ارتمت،حلقت طائرة بها ، غابت دون إن تترك  لها منديلا لتجفف به دموعها. زوج جدتها نظر إليها شذرا فى اليوم الأول،فى أيام تالية غازلها،فى يوم ما طردتها جدتها متحججة بضيق المكان.
(سقوط)
فى الجامعة نازعتها  إلى الحب نفسها، فما أتى فارس إلا سقط على وجهه وانكفأ، ثم راودها الذى هو أستاذها ،فاستعصمت، استشاط غضبا، هددها بالرسوب،فأسقطته بالقاضية وتركت الجامعة!!
(تجارة)
طرقت أبواب العمل بإلحاح، تعبت من متابعة إعلانات التوظيف البراقةودخول المعاينات والخوض فى وحلها مع الذئاب بلا طائل، فافترشت الأرض وباعت شايا وقهوة وزنجبيلا، حين بدا ان الحظ ابتسم لها، داهمتها قوة مسلحة، بعثروا أوانيها وأحلامها، واقتادوها الى محكمة أنيقة الجدران، بيد إن جدرانها تقطر دماً وشاياً ودموعاً.حين دخلت سجدت الجدران لها فبكت!!
(حكم)
كان القاضى منهمكا فى كتابة الحكم  حين أدخلت عليه ، شاحبة حزينة وثوبها فى كفها مزق،أراد النطق بحكمه فقالت( ذرنى أبيع قليلا) قال لها بغلظة دون أن يرفع رأسه والشاي يتبخر من رأسه( لابيع إلا برخصة) ، تبسمت وقالت بمرارة( سيدى انا لا أبيع شيئا سوى المشروبات الساخنة)قال بجفاء : (ألا تفهمين...مطلق البيع محظور إلا برخصة) 
قالت له ( هل انت متأكد سيدى؟ ..اعرف من باعوا ماهو أغلى ولم يقفوا تحت سقفك!!!) فاستشاط غضباً،بات حكمها سجنا وغرامة بعد ان كان محض غرامة، نامت ملء جفونها فى سجنها، وبقى قاضيها ساهرا بعد ان اصابته بالقاضية!!!
(دورة)
في السجن، باتت كرة يركلها اللاعبون، طلبها الذى هى فى سجنه، فاستعصمت وأبت،فعل الذى يليه معها مثلما فعل،فاستعصمت،باتت ماسحة لكل بلاط متسخ، لازال أنفها شامخا،لكنها آثرت السلامة فزوت وانزوت.
صلاح الدين سر الختم على
واد مدنى 
28 نوفمبر 2013

النص الثالث:
الحصان والعصفور/ قصة فى لوحات /صلاح الدين سر الختم على

(عجينة طرية)
نظرت إليهم طويلا،تفحصتهم واحدا واحدا وهم عنها لاهون،هم بذورها التى استودعتها باطن الأرض وهى موشكة على ان تستودعهم لدى الذى لاتضيع ودائعه، تعرف ذلك فحسب، تشعر به في خفقات قلبها وشهيقها وزفيرها، تعرف انهم سيعانون بعدها، ستبدى لهم الدنيا ماكان خافيا من وجهها، يستأ سد عليهم من كان يخاف من مجرد الاقتراب منهم، تعرف الحلقة الأضعف وكيف ستنهار تحت وقع فؤوس حاقدة تحفظ وجوه أصحابها وحركاتهم وسكناتهم وما يستوطن قلوبهم المظلمة، لكن سيكون قد حيل بينها وبينهم بجدار أبدى، تنظر الى حلقتها الأضعف، ترى عيناه يترقرق فيها شئ ما، كان يرقبها باشفاق ومحبة، كان يعرف بطريقة ما أنها تتفحص الوجوه بتمهل مودع، وكان يستطيع دوما دخول أعماق عقلها وقراءة مافيه،وكان يستسلم لها طائعا، كان ذلك أجمل مافيه وأضعف مافيه، فحين تغيب بوصلته لايعود يعرف أبدا اتجاه الرياح، وسرعان مايسلم الدفة لأول من ينازعه فيها، تنظر الى الأب، الطفل الكبير،كم كان طيعا مثل ابنه البكر،لمع الخاطر المروع فى ذهنها، حين تغيب غيبتها الأبدية، ستنتقل عجينتها الطرية الى أياد لاتعرف رحمة ولاعدلاً ولا تدير الدفة سوى فى اتجاه وحيد فقط، ياآلهى... قضى الأمر، يا للهول، من لبذورى بعدى؟! يجيبها صمت وتدور عيناها من جديد فى الوجوه بلا كلل.جرت الدموع الى الداخل،فهَمَتْ عينُاها.

(الجب ) 
تتذكر، كان نجمه قد بدا يلمع،طالبا نجيبا خرج من بيت صغير لرجل بسيط هو حبله المتين للنجاة من الغرق، كانت هى والأب يسويان الأرض من الفجر الى المغيب، يعدان بذرتهما بحرص،( نم، قم،كل، صل لرب العالمين، لاتأخذ شيئا ليس لك،أغسل ملابسك بنفسك، العمل ليس عيبا، ) كان هو يشق طريقه كمدية، عمل في العطلات و قرأ بالليل تحت لمبة الجازوعمود النور، بمعدة خاوية وهمة عالية،وحين أينعت الثمرة دارن حولها كالفراش لامتصاص الرحيق، تتذكرها دونهن جميعا، نحيلة شاحبة خفيضة الصوت، تخاطبها همساً وعينها على شمعتها الوحيدة،كانت ترى الهمس فحيحاً وخفض الصوت زئيرا، والخطو الوئيد انقضاض صقر على فريسة،أما هو فلم يك يرى سوى ما أرادت النمرة الهرة الصقر أن يرى، غافلا نحو جحرها مضى ، ولقد هَمَّت به وهمَّ بها،لم يسمع الصيحة ولم ير!!آه....آه....قلبى عليل وحيلتى قليلة...................
قضى الأمر...يا للهول...من يحمى بذورى من الغرق!!!
( الحصان والسائس)
كانت الشجرة قد بدأت ثمارها تتفتح للتو،حين علا همس عن زواج،قطبت جبينها، ثم عادت ورسمت ابتسامة وقالت لنفسها( اللعنة عليك ياقلبى، لاتطاوعنى دوما ساعة الشدة، تؤنبنى ، ثم تتركنى فوق الجمر) قالت له( أنت ترى،( ولم يك يرى)، أنت تعلم أن اخوتك كلهم في رقبة أبيك ، هو يحتاج عونك، لايزال الوقت مبكرا،)...لكن عربة الأحلام المدفوعة بأياد لاترى، مضت سريعا نحو آخر الشوط، بات الحصان وحيدا مع السائس في الاسطبل. ثم بات يركض بلاكلل فى ديربى لاينتهى مع فارس وحيد لايترك ظهره أبدا، كعادة الأمهات ( غير المكتسبة ولا الموروثة) غابت هى عن المشهد بفعل فاعل.( ياآلهى: كيف تركت الحصان والمقود وساحة السباق؟! كيف تركت الجمل بماحمل؟؟؟!)

(نبوءة)
تراهم ، ظامئين،متشققى الشفاه، والجمل يمضى بما حمل بعيداً،مثل ظل شجرة بخيلة ‘يحرم نفسه على أهله،وتراها ساحرة تمتطى مكنستها وتحلق بلا توقف، تزرع بذوراً سوداء بينهم وبين(الملقى فى الجب)،يأتون أباهم عشاء يبكون،فيقول الملقى في الجب لأبيه(أكل الطير والسابلة قمحهم ، والعام عام جوع!!) ثم ينحنى ليخبئ عنهم حنطته، وهى تحلق في سماء ملبدة بالغيوم بلا جدوى، فقد انقطع حبل الكلام.يا آلهى ....ماذا فعلت؟!فى هذه المرة : همت السماء بدمع غزير، حين لامسته ونظرت اليه: كان أحمراً قانيا!!
(جنته)
دخل جنته،مزهواً كان،فيه بقية منه لاتزال باقية، فأخذ الأب معه،كانت الهرة ممتعضة،كان الأب عصفورا فى قفص من ذهب،ألقت الهرة قميصا على وجهه،ذهب البصر،بات الذى هو من صلبه ضيفاً ثقيلا فى نظره،ذات صباح تم تحرير الجنة من العصفور،تنهدت الهرة تنهيدة راحة وهى تتحسس مخالبها الطويلة ،بقى الحصان فى قفص من ذهب، ظل يهتف من غير داع: ( مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. )، فى اللحظة ذاتها كانت دمعة العصفور تقذف شواظا من لهب( وهو لايرى..!!!)
(صورته)
كانت ترى العصفور الآن، وحيدا، حقيبته فى يده،يتجول فى الشوارع وحيدا،يستظل بشجرة تعصمه من الشمس،شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ترى أخوة الذى كان فى حجرها وبات فى جحرها،تراهم يحلقون جميعا نحو الشجرة، يحملون في المناقير سكراً وشاياً وبرتقالاً، يتبسم العصفور، تتمدد الشجرة، تظللها غمامة،تزقزق العصافير بلا توقف، ثمة دخان بعيد متصاعد،تهمى عيناها،تنام ملء جفونها.
صلاح الدين سر الختم على
مروى
الأول من ديسمبر 2013

النص الرابع:
وثبات/ قصة فى لوحات/ صلاح الدين سر الختم على
(دموع )       

أنَّ الحصان تحت ثقل الحمولة، ترقرت الدموع فى عينيه الجميلتين، توقف قلب الحوذى، ظل الحصان يمشى  ودموعه تغسل الشوارع وعينا صاحبه شاخصتان نحو السماء.
(ذكرى)
تذكر الحصان مجده الغابر، حين كان يرتع ويلعب بجوارأمه الجميلة وظهره يتلامع كالحرير،لمعت صورة قصر منيف وطفل لطيف يطعمه بيده الصغيرة، وأنثى ناعمة تتمسح به أكثرمما تتمسح بحبيبها، فى قلب الذكرى يسمع صوت رصاصة ، فينتفض، يرى أباه ممددا وعيناه شاخصتان صوب السماء، ودموع أمه تغسل المكان فيمسى نهراً أحمراً.
(صورة)
زوت |أمه مثلما تزوى أوراق الشجر، سكن الذباب عينيها الجميلتين،دوى رصاص، ولم يرها ثانية إلا فى أحلام يقظته الكثيرة التى تخفف عليه الحمولة، يتذكر دموعه الكثيرة، نفور الأنثى، أسئلة صاحب اليد الصغيرة الكثيرة ودموعه حين أخرجوه ذات يوم من الحظيرة، ربما لأجل تلك الدموع لم تدو الرصاصة وتركوه راسفاً فى الأغلال فى الظهيرة، حرموا عليه الركض واللعب والحياة الوادعة الجميلة، ظل يمشى والدموع تغسل الشوارع ولايراها أحد، وبات هو يتشهى طلقة أخيرة.

(وثبة)
ظل الحصان يمشى، وصاحبه شاخصة عيناه نحو السماء،خرج من حدود المدينة صوب الحقول، كان يتصبب عرقاً، عاد ظهره لامعا جميلا، غسلت الدموع عينىه الجميلتين،فرالذباب من المكان، تساقطت الحمولة شيئاً فشيئاً، باتت العربةخفيفة كطائر، وثب الحصان عاليا....صوب السماء...... كان مبتسماً.
صلاح الدين سر الختم على
مروى
الثانى من ديسمبر 2013

النص الخامس:
( وافاطمتاه)*قصة فى لوحات بقلم / صلاح الدين سر الختم على

صرخة
طفلة، وزهرة، وفضاء فسيح، وعين متلصصة ، وثعبان متربص، .حين أشرقت الشمس، صرخت القرية: وافاطمتاه.
كهف
تمطى الكهف ، أنشب أظافره الطويلة فى جسد غض، ثم ضمه اليه حتى انسحقت العظام سحقاً، عندها صنع منها بودرة للتجميل ونام متوسداً ضفيرة فاطمة .
أنين
حين كان الغول يشخر فى كهفه البعيد وفاطمةتئن تحته، كان فرسان القبيلة مشغولين باستعراض للعضلات فى ناد للمثليين. 
صدى
أفاق الغول من نومته،رمى العظم ، واخذ اللحم وباع الضفيرة فى نادى المثليين وخرج، عند الباب تصدق على فاطمة بما جادت به قريحة الفرسان، وضحك ملء شدقيه،
صرخ الفرسان من اللذة( وا فاطمتاه)!

صلاح الدين سرالختم على
مروى 
الثانى عشر من ديسمبر 2013
*فاطمة السمحة(الجميلة) قصة شهيرة فى التراث الشعبى فى السودان.

النص السادس:
نص التحولات/ لوحات قصصية/ صلاح الدين سر الختم على
                                           حديقة
 كان حديقة، والأطفال عصافير، بات  مقبرة تتوسدها العصافير.      
                                          مأدبة 
 تاجر العملةأقام مأدبة كبيرة دعا اليها كل نجوم وجنرالات المجتمع، إحتفالا  بإحتراق العملة الوطنىة ، بين يديه.      
                                         قناص
 قنص القناص عمارة جديدةفى حى راقى ثمنا لرحلة قنص طويلة،نام محتضنا عروسته، فباتت  العروس غولا، كلما دنا منها رأى الدم مرتسما فوق ثغرها الصغير، فى النهاية هرول فى الشوارع عاريا، فقنصه الصبية بحجارتهم.    
                                               ظن 
حين ظن أنها دنت وتدلت ومد يده لقطف ثمارها، دوى الإنفجار، تمزق إرباً، وكانت القنبلة من صنعه.                                                صراع 
صارع الثعبان طويلا، أجاد كل فنون قتاله، فى الختام مات الثعبان بين يديه ، وانتقلت كل مهاراته اإليه، حتى سمه الزعاف.   
                                                           دميته 
         دميته تعلقت به، حين أراد الزواج من غيرها، قتلته.                                                                                                                             رجل كبير 
كان رجلا كبيرا مهما، يلعب بالبيضة والحجر، يحرك الدمى بمهارة من خلف ستار، ذات مرة غفا، حين أفاق وجد نفسه دمية من الدمى وبيضة وحجر.         
                                        تزييف 
كانت مهمته تزييف الحقائق، كان ماهرا، انتهت مهمته ذات يوم حين أعطوه حقيقة مزيفة فزيفها بردها الى أصلها 
صلاح الدين سر الختم على
مروى 19 ديسمبر 2013
النص السابع:
نبؤة / قصة فى لوحات/ صلاح الدين سر الختم على
      رسم
رسمه شخصية  عاصفة فى رواية، ذات صباح قابله فى ناصية الشارع يدخن سيجارته بعصبية وهو يسأل عن بيت الكاتب الوقح ،والشرر يتطاير من عينيه، وسكينه الموصوفة فى الرواية مشرعة تتلامع تحت ضوء الشمس، فولى هارباً.
                         وقفة
توقف عند دكان حلاق ثرثار فى شارع جانبى ليلتقط أنفاسه، حين نظر فى المرآة المشروخة رأى الحلاق الأصلع يبتسم،فتذكر أن بطل الرواية يموت فى دكان حلاق أصلع يبتسم، فسارع بالركض، دون أن ينظر إلى الوراء، فى خياله كان يرى الابتسامة اللزجة مطبوعة على ظهره.
                دوامة
أدركه التعب، تقطعت أنفاسه، توقف، أخذ يلهث، حين رفع عينيه عن الأرض، كان الحلاق نفسه أمامه مبتسماً، وكان صاحب النصل مكشرا عن أنيابه، ارتفعت اليد بالنصل، لمع فى ضوء الشمس، انطلقت صرخته قبل وصول النصل الى الهدف.
                خاتمة
كتبت الصحف فى اليوم التالى: كان مبدعا فريدا، كتب نهايته بيده.
صلاح الدين سر الختم على
مروى

22 ديسمبر 2013

Tuesday, December 17, 2013

الدمية/ قصة قصيرة جدا/ صلاح الدين سر الختم على



حين أخذوا منه دميته فجأة،انخرط فى البكاء بلاتوقف،. حين جفت الدموع، أشعل نارا فى الدمية، وابتسم أخيراً.
صلاح الدين سر الختم على
مروى
18 ديسمبر 2013

Monday, December 16, 2013

(الثقافة القرآنية والسخرية المرة وإشكالية العنوان والخاتمة ) ملامح بارزة فى قصة الشريفي / بقلم صلاح الدين سر الختم على


الأبحار فى نصوص الكاتب احمد مجذوب الشريفى مغامرة غير مأمونة العواقب، فنصوصه لاتخلو من أبعاد فلسفية وفكرية تجعل مقاربتها مخاطرة ، ونصوصه نصوص محكمة فنيا بسبب الخلفية النقدية لكاتبها، ونصوصه في معظمها مكتوبة فى قالب القصة القصيرة جدا،ومع ذلك نلحظ فى بعضها ميلا واضحا للاستطراد وكتابة القصة المشهدية ( قصة الإسكيتش) وهى قصة ذات طابع تآملى بحت، لاتتقيد كثيرا بقواعد القص القصير جداً،ويمكن القول بان تجربة الكتابة القصصية عند الشريفى لازالت فى طور التشكل، فهو لم يستقر على قالب بعينه وجنس أدبى معين، ولانزال نلامس فى نصوصه القصيرة جدا نفسا قصصيا أطول، وحينا نفسا روائيا ملحميا ملجما بواسطة الكاتب نفسه حتى يتوافق النص مع القالب الذى اختاره الكاتب،لكن المؤكد ان الشاعرية وهى عيب كبير فى كتابة القصة القصيرة والقصيرةجدا، لاتوجد فى نصوص الشريفي على الرغم من قوة اللغة عنده وثراء المفردة، فلغة الشريفي لغة صارمة ومنضبطة وملجمة بواسطة الكاتب. وهذه من سمات القاص المميز. نتناول هنا بعض نصوصه بالدراسة والتحليل لتوضيح ماسبق.
مدخل : تعريفات مهمة
تعريف القصة القصيرة:
لفظ قصة story جاء من الأصل historis الذى يعنى التاريخ history والذى يشير الى العمليات الخاصة بسرد قصة أو حكاية أو مجموعة أخبار وكذلك طريقة سردها ويشير كذلك الى سلسلة من الوقائع. ويمكن ان تكون القصة قصة حتى عندما لاتستخدم الكلمات ، كما فى القصة التى ترسم فى فن التصوير الزيتى دون كلمات، وكما فى التمثيل الصامت(البانتوميم) أو السينما الصامتة. هذا عن القصة بشكل عام. أما القصة القصيرة فهى نوع من النثر الفنى القصصى أو الحكائي الذى يقرأ بشكل مناسب فى جلسة واحدة، ومن حيث الطول فان هذا النوع الأدبى يقع بين القصة القصيرة جدا التى لايقل عدد كلماتها عن 2000 كلمة وبين القصة القصيرة الطويلة التى قد يصل عدد كلماتها الى 15 الف كلمة. تجدر الاشارة الى ان هذا التعريف تم هجره ولم يعد عدد الكلمات له أثر على تصنيف القصة وان كان لايزال معيار الطول والقصر الشديد قائما بشكل ما. القصة القصيرة اذا فن سردى حكائي يخبرنا بقصة، فى هذه النقطة هناك اتفاق عام، أما الاختلاف فيحدث فيما يتعلق بما تتكون منه هذه القصة. فى السنوات المبكرة من تاريخ القصة القصيرة، كانت القصة تتمثل فى سلسلة من الأحداث والوقائع التى تتكون من بداية ووسط ونهاية وكان التركيز على الحبكة والتحليل المتعمق للشخصية.فى القرن التاسع عشر مع ظهور كتاب عظماء مثل موباسان وتشيخوف بدأ الاهتمام بالحبكة يقل ويتراجع ويخلى طريقا للإهتمام بالشخصية على حساب الحدث. القصة القصيرة عمل فنى نثرى يتميز بالبساطة والتكثيف ويتخير لحظة من لحظات الإنسان فيعمقها، أو زاوية من زوايا حياته فيركز عليها ويكشفها فى شكل فنى يتميز بالتلميح والمواربة لا الإعلان أوالتصريح. يقول جان مارى جويو( إن مايقوله الفن العظيم يستمد قيمته مما لايقوله، مما يوحى به...الفن العظيم هو الذى يدرك روح الأشياء. هو الذى يدرك ما يربط الفرد بالكل، وما يربط كل جزء من اللحظة بالديمومة الأبدية.)
الفرق بين كتابة القصة القصيرة والرواية ليس فرقا فى الطول فحسب، ففى حين يتعامل الروائي مع أركان عالم متكامل قابل للإمتداد والإستطراد والتفصيل وقابل للتطوير فى كل مكوناته من الأحداث والشخصيات وغيرها، فان كاتب القصة القصيرة يتعامل مع لحظة أو فكرة أو انطباع أو احساس أو انفعال أو موقف أو زاوية من زوايا الحياة، لمحة من لمحاتها، ومضة من ومضاتها، مع لحظة فى حياة الإنسان أو ساعته فى مقابل عمر الإنسان أو حياته التى يتعامل معها الروائي. ان القصة القصيرة عمل شاق ومجهد ويحتاج خبرات عديدة ومهارات وقدرات وعمليات ابداعية، بدءا من مراقبة الواقع ورصد سكناته وحركاته واستيعابها وتمثلها ومعالجتها داخليا( داخل الذات المبدعة) ومحاولة تنظيمها وادراك مابها من وهن وخلل وقصور، واختيار الصالح منها للعمل الفنى، ومن ثم ضبط الزاوية التى سيتم التقاط مادة العمل وافكاره من خلالها، ثم تخيل مايجب ان يكون عليه العمل الفنى ومحاولة اختيار الشكل الفنى المناسب، الفن هو تشكيل كما يقول ارنست فيشر، هو اعطاء الاشياء شكلا، والشكل وحده هو الذى يجعل من الانتاج عملا فنيا، وما نسميه شكلا انما هو تجميع للمادة بصورة معينة، ترتيب معين لها،حالة نسبية من حالات استقرارها،والمضمون يتغير بلا انقطاع. وخلال عمليات الخيال يقوم الكاتب بعمل شديد التعقيد والدقة، فهو يحلل ويختار ماهو جوهرى وله معنى، وماهو مثير للاهتمام، ان عملية الكتابة تتضمن تحليلا خاصا لظاهرة ما ثم القيام بتركيبها بعد ذلك، فالخيال وسيلة داخلية جيدة لتمثيل المشكلة ومحاولة البحث عن حل لها، لذلك فهو وسيلة مهمة فى كل الفنون.
ويمكن القول باختصار ان أهم شروط القصة القصيرة جدا هو ضرورة توافر الشروط المطلوبة فى القصة القصيرة فيها وهى كونها شكل فنى نثرى حكائي يعتمد التلميح لا التصريح وهذا يقتضى ضرورة وجود التكثيف والإضمار والمفارقة. والنص القصير جدا واضح دون حاجة لتعداد كلماته. ويميزه تكثيفه الشديد عن القصة القصيرة التى تحتمل بعض الإسهاب الذى لايحتمله القص القصير جدا.
قراءة تطبيقية فى نصوص احمد الشريفى:
• شخصية متمردة:
قصير القامة نحيل الجسد ، نال الشتم و انتقادا لتربية والديه ، طرد خارج المسجد لإكثاره من إثارة اللغط أثناء الصلاة ،...، كثر عليه التعنيف والتوبيخ والتضييق بالمدرسة ... ، و كذا بالجامعة ...، ثم .. ، معارضا للمعارضة و مُتَفَلِّتَاً من قبضات السلطة ، أجمعوا عليه رئيساً توافقيا لإخراج البلاد من أزمتها السياسية.
القراءة: 
العنوان فيه اشكالية التصريح بكامل مغزى القصة(نال الشتم و انتقادا لتربية والديه ، طرد خارج المسجد لإكثاره من إثارة اللغط أثناء الصلاة ،...، كثر عليه التعنيف والتوبيخ والتضييق بالمدرسة ... ، و كذا بالجامعة ...، ثم .. ، معارضا للمعارضة و مُتَفَلِّتَاً من قبضات السلطة) العنوان شرح لكل ماتقدم بين القوسين، ومابين القوسين أصلا فيه تكرار، لكنه مقصود لضرورة فنية، وهى التأكيد على طابع الشخصية غير التوافقى، وذلك تمهيدا لجعل النهاية صادمة ، فالرجل بكل صفاته هذه يتم التوافق عليه ليخرج البلاد من أزمتها، وهنا تكمن المفارقة، فهو غير مؤهل لاداء الدور المنوط به، فاختياره يعنى ان المطلوب هو تعميق الأزمة وليس حلها، وذلك خلافا للظاهر. وهذه هى نقطة القوة فى النص. فقط يجب تغيير العنوان الى عنوان يلمح الى المغزى تلميحا، فالمغزى المخبوء هو أن الاجماع على اختيار البطل كان سببه هو الرغبة فى تعميق الأزمة وليس حلها. ثمة ملاحظات منهاان التكرار ليس ضروريا فجملة واحدة تكفى لايضاح انه ليس مؤهلا لما اختير له، عبارة ( قصير القامة ونحيل الجسد) لا اجد لهذه العبارة وظيفة فى النص فهى زائدة لان صفات الشخص الجسدية لاتؤثر على مهمته، بل تؤثر صفاته المعنوية.
________________________________________

• إقبال:
خمسينى يتخبطه الشيطان ، مترنحا بثيابه الرثة و رائحته النتنة ، بصوت عالٍ و بكَلاَمٍ فِجٍّ يغنى فجرا...، توقف ، صمت ، سكنت نفسه ، جلس ثم نهض ، جلس أخرى ، تأمل... ، غالبه البكاء فأجهش ثم جَعَرَ فاسترسل يجأر ، وعى فأقبل بعد أن سمع حى على الفلاح.
• تصوير جميل للحظة ضلال يلمع فى قلبها فجر هداية، الكاتب يتعمد تصوير لحظة الضلال بتفاصيل مؤثرة، الرجل الخمسينى يتخبط وهو فى حالة سكر بين، لكن حين يشق صوت المؤذن السكون مؤذنا لصلاة الفجر ، يشق نور الإيمان قلب الرجل فى اللحظة ذاتها، مع شروق الشمس يشرق نور فى قلب مظلم، هذا العزف الجميل على وتر الفجر صلاة والفجر خلاصا ، ظلمة الليل وظلمة الروح، ثم بزوغ الشمس فى الخارج وبزوغ شمس الهدى في قلب الرجل، هذا العزف على سلم الضلال وظلمته والهدى واشراقه هو عزف ماهر لكاتب حاذق متمكن من نصه.
________________________________________
• الصورة:
ظهرت فى سمائهم و لا أروع ، فجأة غشَّاها دخان كثيف ، انقشع ، ظهرت ليست كالأولى ، بعض الذين شاهدوها ، قالوا أنها كانت جميلة ، الذين لم يشاهدوها من قبل قالوا بل هذه أجمل، ثم علا الدخان ، مرة ...، انجلى مرات ، اختلفت قناعات الناس فرفعت مقامات و علقت مشانق.
• هو نص موغل فى الرمزية، كل قارئ سيقرؤه ويؤوله حسبما يتفق ورؤيته، وربما هذا هو بالضبط مغزاه، ان الناس ترى الأشياء ليس كما هي فى حقيقتها، بل من موقعها وموقفها وحسب تفسيرها، وكل يدفع ثمن رؤيته، فمنهم من يرتفع مقامه لان رؤيته وافقت رؤية وهوى الحاكم، وبعضهم تخسف به الأرض بسبب رؤيته غير المتفقة مع رؤية السلطة الزمنية، لهذا السبب فأن النص نفسه قابل لتأويلات كثيرة جدا، وهذه هي روعته.
________________________________________

• نقطة تحول:
عاش الحياة بكل موبقاتها ، اتُّهِمَ َبالقتل ، بُرِّئَ ، أحسن وضوءه لِيُخْرِجَ ماضيه من أطراف أصابعه.
• النص هنا يلخص قصة حياة انسان فى جمل خمس،فالرجل الذى عاش حياته بالطول والعرض وارتكب كل صنوف الموبقات، حتى انه وقف يوما متهما بقتل إنسان ، وحصل على براءة من التهمة، عاد وتاب وانفق ما تبقى من عمره فى الصلاة والعبادة لعله يغسل نفسه مما لحق بها من أدران، انه لا ييأس من رحمة الله. وتلك إشارة لها دلالتها. العنوان مثير للتساؤل أكثر من كونه إجابة، فهل نقطة التحول هى الاتهام بالقتل والبراءة؟! هل كان الاتهام باطلا؟ بمعنى هل كان ابتلاء؟! هل البراءة كانت مستحقة وبالتالى أيقظت فيه ضميره وإيمانه؟ الاسئلة ترن ، والنص يلمع على وقعها ويتوهج ويزداد ثراء.
________________________________________

• الصديق:
أصبح صديقه له كالقرين ، ما انفك والده يحذره منه إني لك من الناصحين ، َقَاسَمَهُ صاحبه أيضا إِنِّه له لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، فَدَلاه بِغُرُورٍ ، فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ تبين له شنيع فعله ، فعض على يديه قائلا : "وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا "

الفرقان ..(28)
• النص فيه تناص واضح مع القصص القرآني حتى على مستوى اللغة والمفردات، مع ذلك شعرت عند القراءة ان البناء القصصى فى النص ضعيف، لأن تركيز الكاتب على اللغة جعله يفلت الحبكة وينسى الإضمار، فجاء النص مباشرا وباح بكل أسراره علنا ، ولم يترك للقارئ ما يبحث عنه بين السطور.
________________________________________

• اضطراب و ارتجاف:
من خلال المذياع كان يستمع الى أغنيات من فنان مشهور ، تمايل معها طربا ، قرر أن يحتفظ بأغنية على شريط تسجيل ، بحث عن فارغ ، لم يجد ، يسابق الزمن ، بحث مرة أخرى ، قلب كل ما لديه ، فجأة تناول واحدا فحشره ، واصل رقصه مستمتعا ، إنتهت ، شغَّل ليستمع ، لم يدور ، أعاد ثانية ، أخرجه ، هاله ما رأى فوقع مغشيا عليه ، كل محتويات الشريط خرجت و التفت حول بعضها ، بخوف و اضطراب مرتجفا ظل يردد "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" *

* سورة الحجر الاية (9)
• النص مبنى على مفارقة رائعة،فالبطل كان مستمتعا بلحظته وبأغنية أعجبته، قرر تسجيلها على شريط، ، يبدو ان الشريط الذى اختاره ليسجل عليه كان محتويا على تسجيل للقرآن، فلم ينجح مسعاه فى التسجيل عليه،وحين اكتشف فعلته، انبعث من داخله صوت يردد آية كريمة بعينها، هى الاية الواردة بالنص، المفارقة انه أراد أن يسجل أغنية فلم يفلح وقد اعد للأمر عدته، وحين أراد محو كلام الله عن طريق الخطأ لم يفلح فى ذلك ، بل على العكس خرج القرآن من داخله. النص رائع وجميل وفيه معان جميلة تقدم فى قالب فنى وسردى عميق.
________________________________________
• تقوى:
راودها عن نفسها ، "قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا"، تصاغرت إليه نفسه فانطفأت شهوته ...، تقدم اليها لتكون زوجتة.
• جاء ليصطاد فريسة ظنها سهلة، فاذا به يصير الفريسة وتمسى هى الصياد، فقد اصطادته بتقواها ومخافتها لله التى ذكرته بوجوب تقوى الله ومخافته،لقد أرادها نزوة وشهوةمحرمة، فجعلته يتذكر قدرة الله عليه ، فطلبها فى الحلال.

• رؤيا منام:

"وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ" ، استيقظت ، تلفتت ، استرجعت ، نهضت ، صلت فجرها ، لنفسها سألت أى صوت زار منامى ؟ ، تكرر الصوت فى اليوم التالى ، ثم ثالثة أخرى...
تحركت الى حيث دُلَّتْ ، و لجذع النخلة لمست ثم هزت و لنفسها تعجبت ، صدى الصوت داخلها يحركها ، لم تهدأ حتى عزمت و شمرت و للمال أنفقت ...، 
عندما رأت النسوة للقرآن قد حفظن و تعلمن ، تساقطت دموعها رطبا جنيا.
• يعود الكاتب الى خزانته اللغوية القرآنية، ويعود الى استخدام تقنية التناص واستخدام الاقتباسات من القصص القرآنى من جديد، هذه المرة يستخدم تقنية الاستباق والرؤيا التى وردت في قصة سيدنا يوسف ليوظف ذلك كله لخدمةالنص القصصى، تفسر المرأة رؤياها بوجوب العمل على نشر التعليم الدينى، فقرنت الفهم بالعمل وانجزت مشروعها الإنسانى المتمثل فى تعليم النساء.
________________________________________
• الحريق: 
بينما البعض يتسامرون فإذا بصائح يستغيث ، النار ، النار ، تقافزوا ، شمروا ، تدافعوا ، ماء دلق و تراب أهيل ، صاحب البيت اندفع متحديا اللهب ، حاولوا منعه ، تفلت ، قاومهم ، صرخ فيهم ، لم يقدروا ... 
النار نالت حظها منه ، لم يكترث ، مبتهجا يحمل رزما رماها ، صائحا بنشوة المنتصر: لا يهم بعد ذلك شئ ، لن أترك مسودات مؤلفاتى تلتهمها النيران.
• فى النص صورة رائعة يمجد فيها المؤلف الكتابة والفكر، ففى حين كان بيته يحترق والناس يركضون لانقاذ مايمكن انقاذه، خاطر صاحب البيت بنفسه من أجل انقاذ مؤلفاته.انه تقديس الكاتب للكتابة والمفكر للفكرة.
________________________________________
• إنفاق:
العجوز الطاعنة فى السن التى تربى أبناء ولدها المتوفى ، كانت تجالس زوجة جارها حين دخل عليهما و بيديه أكياس اللحم و الخضار و الفاكهة ، لم يجد مفرا من مناولتهم للجدة التى تمنعت أن تأخذهم ... قال لها: إشتريتهم لك و أولادك أولادى ، بعد أن غادرت قامت زوجته مبتسمة برش الكسرة اليابسة بالماء المملح و الزيت.
• انها صورة رائعة تجسد المعنى القرآنى العظيم {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} سورة الحشر. سبب نزولها: أن رجلاً أتى النبي فبعث إلى نسائه ليقدن له شيئا فقلن: "ما معنا إلا الماء" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يضم أو يضيف هذا" فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيّئي طعامك واصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت وكأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ضحك الله" وضحك هنا بمعنى رضي وليس كضحك البشر، أو "عجب من فعالكما"، فأنزل الله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [سورة الحشر]
• فالرجل فى القصة يتبع خطى السلف الصالح حذو النعل بالنعل. والمؤلف يؤكد على ثقافته القرآنية الواسعة.
________________________________________
• الأولى أحلى: 
بعد سنين ، لم تعجبه أحوال زوجته فأصبح يهيج و يغضب ، فى يوم رفع صوتا حانقا ملوحا بأصبع ، أنت أسوأ إمرأة فى العالم ... خرج غاضبا ، عاد و فى ذمته أخرى ، بعد أن ذاق عسيلتها ... طلقها ، جاء بثانية و ثالثة و... ، طأطأ رأسه للأولى
• نص لايخلو من سخرية مريرة، فخلافا لظاهر النص الذى يوحى بتقديس الرجل للزوجة الأولى، نجد ان المغزى الحقيقى هو السخرية من تفاهة الأعذار التى يسوقها بعض الرجال لتعدد الزيجات والزوجات.فلماذا لايكون هو مكمن السوء وليس النساء المتعددات اللائى تقلبن فى جحيمه؟هذا هو سؤال النص المخبوء فى طياته.
________________________________________
• لكل أجل كتاب :
مائة عام و نيف هى حياة سعيد الجد ، احدودب ظهره ، أسنانه سليمة كاملة ، له عيون قط ، ألزمته الغيبوبة فراش المرض قهرا ، أيام ، شهور ، أبناؤه ، أحفاده ، الأهل و الجيران ، يتبادلون أدوارهم فى المستشفى لرعايته ، أخبرهم الطبيب بإيقاف عمل الأجهزة بعد طول أمل من موته دماغيا ، منتظرا موافقتهم ، بعض أهل المريض اعترضوا ، آخرون رأوا صوابا ، ثلة لاذوا بالصمت ... توفى الابن الأكبر له فانشغل الناس به و تركوا المريض تَحَوَّطَهُ عناية الرحيم... بعد لأىٍ وافقوا.
فى صباح يوم بدأ نزعها عنه ، ممرضة تعثرت فأسقطت جهازا أصاب رأسه بقوة ، انتفض و ارتعش ، صرخ من الألم ، وُهِبَتْ له الحياة ... أخبر بموت فِلانٌ و فُلانَة ، زيدٌ و عبيدْ.
• النص جميل لكن أزمته هى عنوانه، العنوان يكشف مستور النص بمباشرته فيقلل من متعة قراءته والبحث عن مضمره الذى لايعود مضمرا بعد العنوان، المفارقة فى النص هى موت من لم يتوقعوا موته وحياة من توقعوا موته، فكم من عليل عاش دهرا وكم من سليم رحل واقفا بلا وداع. النص هو واحد من سلسلة نصوص كثيرة للكاتب تدور حول أسئلة وقضايا وثيقة الصلة بالحياة والموت والحق والباطل والهدى والضلال تعكس خلفية الكاتب الدينية وثقافته القرآنية الواسعة.
________________________________________
• بالون اختبار:
أرسل بالونا فى الفضاء يلهو به ، فك الخيط فغاب عن نظره ، فى بيت عرس كان الناس يتحدثون عن ذاك البالون الذى تأرجح فى سمائهم و طال تحليقه ، بعضهم قال : أمريكا أطلقته لتسمع ما يقولون و ترى ما يفعلون ، جماعة قالوا: لدراسة الأرصاد ، النساء قلن أنهن لذن الى داخل غرفهن حتى لا يظهرن عاريات بملابس البيت ، آخر قال بأنه لزم مسبحته و سجادة صلاته داعيا الله سائلا له أن يجلى البلاء ، و ... و ... و ....
ارتاع الصبى فأخرج البالون الآخر من جيبه ثم رمى به خائفا يترقب قبل أن يلحظه أحد.
• 
النص عبارة عن نكتة بارعةوسخرية مبطنة من عجز الناس امام تفسير الظواهر ومن ثم يتخبطون فى تفسيرهم لها تخبطا بينا،فالبالون الذى اطلقه الطفل لم يكن فى الحقيقة بالون اختبار، لكنه بات كذلك مصادفة، حين احتار الناس فى أمره وذهبوا فى تفسيراتهم مذاهب شتى لاعلاقة لها بالحقيقة، الى حد ان الطفل خاف ان يطلق البالون الثانى فيتهم بما هو أشد خطورة. ونلاحظ ان التناص مع القرآن الكريم موجود فى النص فى عبارة (خائفا يترقب) فهى تجعل قصة سيدنا موسى عليه السلام تقفز للأذهان في سورة القصص من الاية 20 الى الاية 22
(وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22))
________________________________________
• وصفة طبية:
أصابع طبعت تبدوا ظاهره ، كدمات ، تورم على خديها ، فكها ، جبينها ...
- من فعل بك هذا؟ .. سألها الطبيب
- زوجى .. نزلت دموعها 
- و لم لم تبلغى الشرطة ..؟ 
- لا أريد أن أؤذيه !
- بعد كل هذا الذى فعل بك؟.
أسئلة من الطبيب ، اجابات ، كلام ، صمت ، ثم قام باستدعاء زوجها ، و بعد خروج الزوج ..
- سأعطيك وصفة تزيل هذه الكدمات و من ثم يعود وجهك اكثر اشراقا و جمالا
- و ماهى ؟ قالت متلهفة
عليك أن تضعى نعنانا و قرفة مع قليل من الملح ، ضعيها بجوارك ، بمجرد دخول زوجك أملأى فمك منها و أبدئى المضمضضة بها و لا تدلقيها الا بعد ساعة ، ثم كرريها باقى النهار و بالليل ، عودى الى عيادتى بعد أسبوع 
- و لكن ما السر وراء هذه الخلطة و لم تعطنى وصفة طبية لاستخدمها 
- ببساطة كان زوجك يحتاج الى الهدوء فى بيته ، و أنت كثيرة الكلام فى غير مناسبة .
النص قصة مافى ذلك شك، لكنها قصة منحازة فى مضمونها للرجل، وتتضمن تبريرا للعنف ضد المرأة، فلا شئ يبرر الاعتداء اللفظى أو البدنى على المرأة أبدا، ووصفة الطبيب فيها انحياز واضح للجانى وفعله القبيح وتحيز ضد الضحية وتحميلها مسؤولية الجريمة المرتكبة بحقها. فالمرأة الضحية لعنف زوجها باتت هى المسؤولة عما الحق هبها الزوج من أذى بحجة سخيفة وهى كونها ثرثارة، فهل الثرثرة تبرر العنف ضد المرأة؟ من الصعب الموافقة على رسالة النص فهى رسالة سلبية تماما فى موقفها المبرر للعنف ضد المرأة وفى تجاهلها لمسؤولية الرجل عنه.
________________________________________

• فرشاة أسنان:
بعد أن أدخل فرشاة الأسنان داخل فمه و حركها تبين له أنها لزوجته ، أخرجها ، قلبًّها ، تمعنها ، تأكد ، انقلب بطنه ، غسل فمه ، قلًّبها ثانية ، ثم .. أرجعها منظفا أسنانه بها مرة أخرى يضحك محدثا نفسه : ليست أسوأ من .... .
• النهاية المفتوحة فى هذا النص هى سر قوته وضعفه فى نفس الوقت، فالنهاية دوما يجب ان تكون واضحة حتى تحقق الهدف منها وهو المفارقة ، لان المفارقة تبنى على وجود معنى ظاهر وآخر خفى ووجود معنيان خفيان يحكم على المفارقة بالموت ويضعف النص، فى نفس الوقت النهاية المفتوحة تحفز خيال القارئ وتفتح امامه الأبواب. في النص أمامنا يبدو الرجل ممتعضا من زوجته صاحبة الفرشاة التى ادخلها بفمه خطأ ، سبب الامتعاض غير واضح، وان كان يبدو هو انها ثرثارة، لكن الكاتب تعمد عدم الإفصاح. فجعل القارئ يقف حائرا متأملا فى النص بكامله باحثا عن السر المخبوء فيه بلا جدوى.الرسالة الوحيدة المقرؤة هى أن الرجل لايحب زوجته مطلقا.
________________________________________

• خيال...
على جانبيه يتقلب ، ثم على بطنه يتمدد ، يهدأ حينا ، يعود للتقلب ، يلملم رجليه الى صدره ، يفردهما ، يطقطقهما ، يزيح الغطاء ، يبحث عنه ، يرمى به ، يستجدى النوم ، يقترب مراودا ، ثم يفر منه ، شئ ما ضبابي لاح له ، يصعد ، يهبط ، يختفى ، يعود للصعود مشرئبا بتطاول ، يقصر ليزداد طولا حذر ، ما هى الا هنيهة حتى يتلاشى لا يكاد يبين ، ظل يرقبه بقلق ، بخوف بإضطراب ، حبس أنفاسه فى قمقم ، مرة أخرى رآه كسراب ، حقيقة ، وهم ، لا يعرف ، عظامه كادت أن تتيبس ، عيناه تحاولان الثبات مع هذا الذى يرتفع طولا ثم يقصر ، محاولا أن يكتم ضربات قلبه المتزايدة حتى لا تسمع ... قبيل الظهر و قد نام قليلا ، عرف أن ذاك الشئ ما كان إلا أخته التى كانت تحاول أن تسترق السمع متلصصة على الجيران.
• الخوف كامن فى داخله هو، صدق مخاوفه الكامنة فعاش فى رعب حقيقى ليكتشف انه كان ضحية وهم . يبدو النص يعانى من الاسهاب فى تفاصيل غير مهمة جعلته يعانى ترهلا يشتت انتباه القارئ. والإسهاب من العيوب فى القص القصير جدا، فالتكثيف والإيجاز هما أساسه.
________________________________________
• عواصف و أمطار:
ريح عصفت ، سماء أبرقت ، أرعدت ، أمطرت ، أنهمرت سيولا ، نحتت ، فتَّتْ ، جرفت ، المخلوقات فَزعَتْ ، الأرض تحت اقدامها زلزلت ، تحاول أن تأوى الى جبل عله يعصمها بعد أن رأت الهلاك و به أيقنت ، ركعت ، سجدت ، بالدعاء توسلت ، حوالينا و لا علينا ، قام من مقعده فأغلق التلفاز نهاية الفيلم
• مشهد صاخب جدا يبدأ به النص، ثم ينتهى المشهد باغلاق التلفاز، لنعرف ان المشهد كله كان مشهدا فى شاشة تلفزيون وليس من الحياة. لكن مشكلة النص عدم وجود رسالة محددة واضحة أو خفية للنص، الأمر الذى يجعل النص تأمليا صرفاً. ويبدو الكاتب لاهثا وراء فتنة اللغة التى ظهر فيها ملمح شاعرى غير معتاد منه فى نصوصه عموما.
________________________________________

• عشرة سنين: 
سنين لم تمل منه و لم تشتكى رغم قسوته ، صابرة تحتسب ، بذل مافى وسعه ليأتى بأخرى ، فشل ، حاول ثانية ، لم يكترث... اجتهد أخرى ، تعلم أنها ما عادت قادرة على التحمل من كثرة ما غرز فيها من خيوط لعمليات الترقيع و التجميل و لكنها تتماسك بصبر و جلد و تتمنى أن يكون له واحدة غيرها ، أحد الأصدقاء أهداه جزمة جديدة .

النص حافل بسخرية مريرة، فالرجل له حذاء مثل حذاء الطنبورى، لكنه يتحدث عنه كمن يتحدث عن حبيبة فاتنة، فقد أفرط فى ترقيعه مرات ومرات، حتى جاد عليه صديق بحذاء جديد، النص أضعفه تصريح الكاتب بانه يتحدث عن جزمة(أحد الأصدقاء أهداه جزمة جديدة) فهذا التصريح هدم الإضمار فى النص وشرحه، وكان الأفضل الإشارة الى الحذاء بشكل غير مباشر. فضلا عن ذلك جاءت الجملة كنهاية للقصة نهاية لاتحمل عنصر دهشة ولاتحمل تنويرا، بل هى حل قدرى لمعضلة الحذاء البالى، فهى نهاية سعيدة مرضية لكل الأطراف، لكنها نهاية جاءت من خارج سياق النص. لكن ليس ثمة مفاجأة فيها مطلقا. وهذا يقودنا الى ابداء ملاحظة عامة على نصوص الأستاذ احمد مفادها ان تلك النصوص تحتاج الى وقفة عند العنوان والنهاية.
هذه قراءة أولية لنصوص مختارة أرجو ان تكون كافية لاعطاء فكرة عامة عن القصة والأسلوب عند الاستاذ احمد الشريفي الذى تتميز كتاباته بجزالة اللغةوالطابع الانسانى لنصوصه وكونها تهتم بالعالم الداخلى للإنسان فى مواجهة مايحيط به من مؤثرات خارجية سلبية ويغلب الطابع التهكمى الساخر على الكتابات وتعانى النصوص اشكالات متكررة فيما يتعلق بتوظيف العنوان وصياغة الخاتمةوتتميز النصوص بقوة المضمون والانتصار دوما للقيم الايجابية والانغماس فى الهموم اليومية.
صلاح الدين سر الختم على
مروى 
14 و15 ديسمبر 2013
المراجع:
قصص قصيرة جدا منشورة للكاتب احمد الشريفى بمواقع الكترونية.
الأسس النفسية للابداع الأدبى فى القصة القصيرة خاصة/ دكتور شاكر عبد الحميد/ الهئية المصرية العامة للكتاب 2007.
جان مارى جويو( مسائل الفن المعاصرة) دار اليقظة العربية للتأليف والنقد/ ترجمة سامى الدروبى.
القصة القصيرة نظريا وتطبيقيا/ يوسف الشارونى دار الهلال 1977.
ارنست فيشر/ ضرورة الفن ترجمة اسعد حليم الهئية المصرية للتأليف والنشر 1971.