Tuesday, October 29, 2013

( أفكار أولية وانطباعات) عن بعض النصوص المنشورة في مجموعة القصة القصيرة جدا / دراسة منشورة بمجموعة القصة القصيرة جدا

( أفكار أولية وانطباعات) عن بعض النصوص المنشورة في مجموعة القصة القصيرة جدا 
تكرار اشكاليات( العنوان التقريري والصور الشاعرية والتقريروتعجل النشر) 
صلاح الدين سر الختم علي


نحاول هنا التعرض لبعض النصوص المنشورة بالتحليل بصورة مختصرة بهدف القاء الضوء علي بعض الاخطاء الشائعة في الكتابة والنشر منبهين الي ان الاحكام الواردة هى وجهة نظر قابلة للقبول والرفض وليست حكما باعدام النصوص أو استحسانها أو تقليلا من شأنها. هو حوار شفاف حول اشكالات الكتابة وبعض الاراء النقدية . وذلك بهدف تطوير ممارسة الكتابة منطلقين من كون القصة القصيرة جداً ليست تهويماً بلا معنى وليست صورا بلاغية لارابط بينها و ليست مقالاًأو خاطرة وليست نكتة أو طرفة وان كان نسيجها قد يتضمن النكتة أو الطرفة والصورة البلاغية محددة الهدف والوظيفة، القصة القصيرة جدا نص قصير جدا يتميز بالاحكام والإيجاز والإقتصاد في الكلمات والجمل والتكثيف والمغزى المخبوء .

النموذج الأول ( التعجل في النشر )
رصاص طائشه 
أغمض عينيه ,وأفرغ مخزن ذخيرته في الهواء .
ثم ذهب ليبحث عن قيراطان.
أحمد يحيى العفيري


هذا نص نشر علي عجل يبين من عنوانه الملتبس المكتوب ( رصاص طائشه) فالعنوان الصحيح إما ( رصاصة طائشة) أو( رصاص طائش) فلايمكن أن يكون المعدود جمعا والعدد مفرداً أو العكس، ولايمكن ان تكتب كلمة طائشة بالهاء لأن ذلك يغير المعنى. ثم أن القصة بها مشكلة أخري وهى قوله( أفرغ مخزن ذخيرته في الهواء) فتبدو الجملة هكذا كأن الرجل أفرغ مخازنه من الحبوب ولو كان المقصود ذلك واظن الكاتب يقصد ذلك فهو لم يكن بحاجة الي إغماض عينيه لأن ذلك يحدث عند اطلاق الرصاص وتغمض عين واحدة، وكذلك لم يكن بحاجة الي ايراد كلمة في الهواء فقد كان يكفي القول أنه أفرغ مخازنه فقط لأن الإفراغ في الهواء يرتبط بالذخيرة الحية وعملية إطلاق النار، وواضح ان المقصود في القصة هو ان البطل بعثر مخزونه من الحبوب ثم جاع فلم يجد مايسد به الرمق!! تبدو الفكرة رائعة لكن الثوب اللغوى الذي خرجت به ثوب غير لائق ويشتت أفكار المتلقي ويصرفه عن المغزى المراد ويجعل القصة مترهلة وملتبسة.

النموذج الثانى:
ق.ق.ج
ناقد ..
احتفل بإصدار موسوعته النقديّة ...التي تتحدث عن قصّة كتبها الملك مؤلّفة من جملتين


"موسى الزعيم "

المبالغة في النقد لسلوك الناقد جعلت النص علي قوة فكرته يبدو اعلانا لموقف حاد من الناقد يبلغ حد المبالغة، فمثلما بالغ الناقد في تقديره لكتابة الملك نفاقاً فاصدر موسوعة تمجد عبقرية الملك الظاهرة في قصة من كلمتين، كذلك بالغ المؤلف للقصة في نقده لسلوك الناقد حين صوره هكذا، فهذا تصوير كاريكتيري مبالغ فيه وغير متصور حدوثه في الواقع، لذلك بدا النص أصغر من الفكرة المراد التعبير عنها، وعنوان القصة نفسه يبدو بعيدا عن مضمونها، فالمراد القول ان الناقد مزيف ووصولي والملك ليس بكاتب، مثل هذا المضمون عنوانه الملائم في تقديري ليس هو اثبات صفة الناقد للوصولى ، كان يمكن ان يكون الأسم ( نقد) فذلك يعنى ان القصة تتتهكم علي هذه النوعية من السلوك وهذا النوع من الكتابة. مع ذلك يتعين الإقرار بان القصة القصيرة جدا موجودة في ثنايا النص وهى تعتمد المفارقة للايحاء بالمغزي، لكن المفارقة نفسها يجب ان تقاس بميزان الذهب، بدقة وإحكام دون إفراط ضار بالمغزي ومشتت للانتباه.
النموذج الثالث ( المشهد هل هو قصة دوما؟)
جريمة
بعد أن خلع ملابسه 
وجد أن البانيو قد إمتلأ بالدم 
فتذكر أنه نسى أن يغسل يديه 
فى قسم الشرطة حيث يعمل
مصطفى الحكيم


هذا النص يبدو مشهدا عاديا جدا، رجل شرطة عاد من عمله خلع ملابسه، غسل يديه فوجد الحوض قد امتلأ بالدم، لو كان المشهد هكذا فقط دون تدخل الكاتب للتفسير بقوله في الختام ( فتذكر انه نسي أن يغسل يديه في قسم الشرطة حيث يعمل) لكان مقبولا جدا القول بانه قصة قصيرة جدا وكان يمكن التلميح الي عمل الشخص بدلا من التصريح به، مثلا القول( عاد بعد يوم عمل مرهق، خلع بزته العسكرية،غسل يديه،بشرود، انتفض مذعورا، فقد كان حوض الغسيل ممتلئيا بالدم!!) أما تسمية النص ( جريمة) والشرح المطول في آخره لمكان وقوع الجريمة ومرتكبها فهو أمر جعل النص بيانا سياسيا صارخا ضد الشرطة ليس فيه شئ من القصة، الا اذا كان المقصود من القصة المصطلح الاعلامى للاحداث التى يلاحقها الاعلام (story). المشهد يمكن ان يكون قصة شرط عدم التدخل في المشهد وشرحه والتعليق عليه، فذلك التعليق والشرح يجعله نصا تقريريا لاعلاقة له بفن القصة التى تعتمد علي الايحاء والتلميح وتتجنب التصريح.

النموذج الرابع:( اللغة الثوب الجميل للأفكار)
نفاق
رفع صوته عاليا وهو يتحدث فى مؤتمر عن اضرار التحرش 
ولكنه نسى سحاب بنطلونه مفتوح
مصطفى الحكيم


هذا النص للكاتب السابق نفسه نص يعانى من عدم الإهتمام باللغة والتعجل في النشر، فالنص القصير جداً يتيح لصاحبه مراجعته نحويا ولغويا كلمة كلمة وجملة جملة والخطأ فيه لايغتفر ، مثلا كلمة مفتوح التى اختتم بها النص من الواضح ان الصحيح انها( مفتوحا) كونها حالا منصوبا، ولكن التعجل جعل النص ينشر بعلته تلك، اللغة هى حامل أفكارنا وهى الثوب القشيب الذي تعرض عبره وكل بقعة سوداء في ذلك الثوب الأبيض تشوش علي الفكرة وتحكم عليها بالموت. وليس ذلك هو عيب النص الوحيد فالنص يعانى من تقريرية مفرطة فى العنوان، عنوان القصة يجب ألا يكون تلخيصا لفكرتها فذلك تقرير يفسد متعة القص والقراءة معا، القراءة بحث عن كنز مخبوء بين السطور، والقص وضع لعلامات علي الطريق تفضي الي الوصول الي الكنز ويشكل البحث عنها متعة في حد ذاته، فيجب علي الكاتب ألا يفسد علي القارئ متعته ويهمس في أذنه بالمعنى أو يصيح به. والعلامات يجب ان تكون دقيقة وصحيحة، فمثلا نسيان سحاب البنطلون مسحوبا لايعنى علي وجه اليقين ان صاحبه متحرش، فقد ينساه لسبب أو آخر، فليس كل فتح للسحاب وراءه تحرش، هذه نفسها فكرة مهووسة، فقد ينسي لسبب برئ، وكان الأفضل تقديم علامة قاطعة ، مثلا( حين كان يتحدث كانت سكرتيرته الحسناء تحدق في صورته وهى تتحس مواضع يديه علي جسدها وتبتسم.) المهم ان تكون العلامة الدالة لاتحتمل معنى آخرا غير ما تدل عليه.



النموذج الخامس:( الشاعرية خطر ماحق علي القصة)

نورا مجدي ابو المجد
السموم التي نفثتها افاعي المهرج في النهر ليلا، جمٌعتها رياح الصبر وابلا ،ثم ارسلته عليه فجرا


لغة القصة القصيرة والقصيرة جدا لغة تتميز في الأساس بالدقة والإيجاز وأن كل كلمة في النص لها وظيفتها ومبرر وجودها ودلالتها التى تجعل تغييبها أمرا يخل ببناء النص، القصيدة تحتمل الاستطراد وتوالي الصور وتتابعها وتكراراها بطبيعتها والرواية تحتمل هي الأخري الاستطرادات والتشبيهات والاستعارات بدرجة أقل من القصيدة وأوسع من القصة، لكن القصة لاتحتمل الاستطرادات والغموض المبهم ، هذا النص يبدأ بكلمة مبهمة هى( السموم) الاسئلة تثور فورا: ماهى هذه السموم؟ تأتى الاجابة( التى نفثتها أفاعي المهرج في النهر ليلا) وتحيلنا الاجابة الي اسئلة جديدة: ما هى الأفاعي؟ ما المقصود بها؟ البشر؟ من هم ؟ ومن هو المهرج؟ ولماذا نفثتها افاعيه في النهر ولماذا ليلا؟ !والاسئلة تقود الي اسئلة ولا إجابة حتى خاتمة النص. لذلك يبدو النص فاقد الروح فليس فيه قصة مطلقا ولافكرة واضحة وهو أقرب الي التهويم الشعري منه الي النثر أو القصة. القصة يجب ان ترتبط دوما بالانسان، وان كان موضوعها مشهدا فيجب ان يتضمن المشهد قصة مكتملة الاركان وثيقة الصلة بالانسان وحياته بشكل أو آخر. هذا النص ليس بقصة. وانا سعيد لان الادارة لاتتشدد في النشر فتنشر النصوص علي علاتها ، فذلك وحده السبيل لادارة حوار جاد علي ضوء نماذج واقعية حول القصة ومفهومها وشروط كتابتها.

النموذج السادس ( التقرير في العنوان يهدم النص الجيد)
Nabil Benfaida
إغتصاب
++++++++++++
زرع فيها بذرته عنوة .. فلم تنبت سوى الخراب.


لو كنت مكان كاتب القصة اعلاه لما اخترت لها عنوانا مطلقا لو كان خياري هو تسميتها بهذا العنوان التقريري الذي هدم جمال النص، فالنص يشي بالمعنى ولايصرح ، لكن العنوان هدمه هدما، بالرغم من ان النهاية غير موفقة وفيها شاعرية مرسلةلاتليق بالقصة ( فلم ينبت سوي الخراب) كان الأفضل مثلا(لكن براكينها تفجرت فلفظتها ) أو (فماتت البذرة من البرد)المهم ان تكون النهاية فيها شئ واضح محدد يعطى معنى الرفض والمقاومة والتحرر من العار. هى مشروع ق ق ج أجهض في الطريق.

النموذج السابع ( الصورة الشعرية لاتكفى لبناء قصة قصيرة جدا)


محمد ابوالكرام

(ق ق ج)
المناضل
فى ركعته الأخيرة.طعنته يد وطن ضرير


في هذا النص يقدم الكاتب صورة شعرية تصور رجلا منهمكا في اداء الصلاة ولكن الجزء الاخر من الصورة يصعب تصوره كونه مجازا وليس واقعا، مجازا يصور الوطن متنكرا في هيئة رجل أعمى يحمل سكينا ويطعن المصلى!!

هذا المجاز به اشكاليات عديدة أولها قول الشاعر( بلادي وان جارت علي عزيزة وأهلي وان ضنوا علي كرام) فليس من المستساغ تصوير الوطن قاتلا يسدد طعنته لرجل مؤمن، هذا تصوير جائر للوطن ويحمل في داخله خلطا بين الأوطان والأنظمة الاستبدادية، فكراهية الشخص لنظام استبدادى جاثم علي وطنه لايعطيه حق تشويه صورة الوطن نفسه! ولايمكن الاعتذار عن ذلك بالقول ان الوطن أعمي ، فلعمري ماضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق. النص به ايضا اشكالية العنوان التقريري. يبدو ان هناك ظنا عاما بأن العنوان وسيلة لشرح النص وهذا فهم خاطئ، العنوان جزء من القصة القصيرة جدا وهو محكوم بقوانينها التى تمنع الصياح بالمعنى وتقريره. وتبقي المشكلة الرئيسية هى ان الصورة الشعرية لاتصلح لكتابة القصة، فلوكان الكاتب أورد ان أحدهم سدد طعنة للبطل وهو قائم يصلي أو ساجد أو راكع دون أقحام الوطن الضرير لكنا أمام قصة معبرة لو تركناها بدون عنوان أو اعطيناها عنوانا لايقرر مايريد قوله عبر ايرادها.


النموذج الثامن ( التقريرىة تجعل القصة مقالا أو بيانا)



غائبة

نودى: محكمة.هيبة الصمت سادت.اوقد المجنى عليه شمعة.ظل يبث فى القاعة.سأله القاضى عما أفل ونور السمس ساطع.
اجاب: العداله العداله.
Naeem Hamad
النص هنا يعانى من التقرير علي مستوي العنوان الذي يلخص القصة وعلي مستوي الختام الذي يشرح القصة بالقول الصريح ان الغائبة هي العدالة. وهذا النص ليس بقصة فالقصة ليست مقالا سياسيا يعبر كاتبه عن وجهة نظره فيه صراحة ويحشد المؤيدون والأتباع، القصة دعوة للتأمل فيما هو كامن خلف المشهد أو الملمح أو الحدث الذي تقدمه بدون تعليق أو ترجمة للمعانى أو شرح لها، بل يكتفي القاص بما يقدمه ليفصح مايقدمه بنفسه عن نفسه.وفي هذا النص خيال شعري جامح فليس هناك واقعيا ادنى احتمال للسماح لمتهم باشعال شمعة في قاعة محكمة كما حدث وليس هناك قاض رومانسي يكون رد فعله علي ذلك ان يقوم بسؤال المتهم كتلميذ لماذا اشعل الشمعة والشمس ساطعة علما ان الشمس لاتسطع داخل القاعة عادة. القصة في خياليتها يجب ان تكون دوما واقعية.
النموذج التاسع ( الحماس للفكرة هل يقتل النص القصصي؟)
حصحص الحق 


ذهب الجاني بأسبوع من إرتكاب جريمته .. ليتفقد الجثه ويطمئن على دفنها ، وعند نبشه للقبر ، تجمعت حوله قطيع من الكلاب 

وظلت تنبح وتحاصره حتى فزع الرعاه 
وتحققوا من جريمته . 
Musa Agyli


في هذا النص فكرة جيدة ومغزي جميل ولغة موجعة وقاحلة وتركيب فقير للجمل مثل الاستهلال( ذهب الجانى باسبوع من ارتكاب جريمته) والمقصود طبعا ( ذهب الجانى بعد أسبوع) ومثلا آخر قوله ( تجمعت حوله قطيع من الكلاب) والمقصود القول ( تجمع حوله قطيع من الكلاب) لان القطيع من الكلاب مذكر وليس مؤنثاً.. وهناك مشكلة في استخدام علامات الترقيم فجملة مثل ( ذهب الجانى بعد أسبوع من ارتكاب جريمته ليتفقد الجثة ويطمئن علي دفنها) هي جملة واحدة ليس فيها فاصل كما هو الحال في النص.والقول ان القاتل ذهب ليطمئن علي الجثة قول فيه ركاكة لغوية لان الاطمئنان يكون علي الاحياء ، والقول انه ذهب ليطمئن علي دفنها ثم العودة للقول عند نبشه القبر فيه تناقض ، فكيف يكون يريد الاطمئنان علي الدفن ثم ينبش لنكتشف انها مدفونة وبالتالي لاسبب لديه للعودة، ولو لم تك مدفونة لنهشتها الكلاب التى حاصرته، اما القول ان الرعاة تحققوا من جريمته فقول مرسل لأن جريمته الأولي لاتثبت بمجرد نبشه للجثة. أما العنوان فهو تقريري ويغنى عن قراءة القصة. الواضح ان الكاتب لديه فكرة جيدة وهو متحمس لها حد انه أعلن عنها في عنوان القصة ولم ينتبه لقواعد وشروط اللغة فجاء النص أقصر قامة من فكرته ومغزاها.



النموذج العاشر ( الشاعرية هل تصنع قصة؟)

روح الشهيد
قنصت روحُ الشهيد القناصَ ، فظل باقي عمره يترنح من رصاصته..
Zidan Zidan
النص جميل اللغة والمعنى ، ولكن الاشكالية تبقي في روح النص الشاعرية ، نحن لسنا امام شخص في القصة بل أمام مفهوم وهو روح الشهيد وهى قطعا ليس لها وجود مادى وليست شيئا يري بالعين وهو يفعل فعلا، لكن الكاتب انبت لتلك الروح أجنحة من خيال وجعلها تتصرف كشخص طبيعي وترد الصاع صاعين للقناص الذي ازهقها ولكنها لترد بطلقة من مسدس بل ترد باصطياد روح القناص وجعله طول عمره نادما علي فعله( مترنحا من رصاصته) أي انه بات يعانى من وخز الضمير. المشكلة في هذا النص انه يجعل القناص شخصا له ضمير وبذلك يهزم فكرة النص وهى قائمة علي انتصار الشهيد علي القناص. ان النص من حيث لايريد يرتفع بالقناص الي مكانة سامية لايستحقها ويجعله صاحب ضمير حي. وهنا مفارقة لم يقصدها الكاتب .المهم ان هذه الصورة كلها ليست قصة فهى صورة بلاغية لاتحتوى علي حكاية في ثناياها.
النموذج الحادى عشر( الشاعرية مرة أخري )


أثر

***
وقع المنديل المبتل على زهرة فارتوت بمائه، سألته عن قصته، قص لها حكاية الدمعة...فذبلت.
Shireen Talaat
هذا النص نص مميز بالرغم من شاعريته الواضحة التى طغت علي ملمح القصة فيه ، المنديل المبلل بالدموع يقع علي زهرة فنكتشف للدموع وظيفة جديدة هى الإرواء بدلا عن البكاء
وكان يمكن ان ينتهي النص هنا فيكون قصة مكتملة الأركان وفيها كشف وتنوير وتلميح بالمغزي
لكن الكاتبة زادت فجعلت الزهرة تتكلم وتسأل المنديل عن قصته دونما سبب واضح للسؤال، فيحكى المنديل الذي يمسي شخصا قصته وتشرح الكاتبة هنا القصة بانها ( خكاية الدمعة) ولم تكن الكاتبة بحاجة لهذا التقرير والشرح فالمنديل بداهة تبلله الدموع ، وتنتهي القصة بذبول الزهرة حزنا بالطبع . مشكلة الشاعرية انها تستدرج عشاقها الي فضاءات فسيحة فيسهبون بينما القصة صنو الإيجاز. برغم كل تحفظ اعجبني النص كثيرا واتمنى ان تعالجه كاتبته معالجة مختلفة تلتزم فيها بصرامة القص وتكبح جماح خيل شاعريتها.
أرجو الا اكون قد أغلظت علي أحد ، ويعلم الله اننى مهتم بالنصوص بالدرجة الأولي وبتقديم رؤية متواضعة من خلال تجربتي مع الكتابة القصصية تعين محبى هذا الفن علي تجويده وتطوير كتابته.
صلاح الدين سر الختم علي
مروي/ التاسع والعشرين من اكتوبر 2013

Friday, October 25, 2013

(إمراة من كمبو كديس) لعبد العزيز بركة ساكن ** والتشريح القاسي للواقع وحكاية الضحية والجلاد/دراسة نقدية /صلاح الدين سر الختم على



عبد العزيز بركة ساكن القاص وجه آخر لعبد العزيز بركة الروائي الذي يحتل مكانة مرموقة في المشهد الثقافي السودانى، لعلى أكون محقا إذا ذهبت الي القول أن بركة القاص غير مكتشف كما هو الروائي فيه، فهو قاص متمكن من أدواته ويبدو نفسه القصصي أكثر نضجا وأصالة وإحكاما من نفسه الروائي، فالقصة عنده تشريح قاس لواقع أشد قسوة، واقع تحتشد فيه صور الجمامجم المثقوبة والنساء الراسفات في القيود والأطفال المفزوعين الضامرين الذين يتنقلون مع أمهاتهم في بئيات مسكونة بالفقر والقهر والعذابات فتختزن ذاكرتهم صورا لاتخرج منها أبداً ويبدو عبد العزيز نفسه واحدا من أولئك الأطفال المعذبين بالتبعية مع أمهاتهم  مثل ذلك الطفل الذى تحمله أخته الضامرة الي أمه المحبوسة ثلاث مرات في اليوم ليرضع في قصة ( لبن دافئ من أجل منتصر) في مجموعته التي تحمل اسم (أمراة من كمبو كديس )ومثل ذلك الطفل ود أمونةفي روايته الجنقو مساميرالأرض الذي يتعرض لاستغلال بشع بسبب وضع أمه،  هكذاولجت طائعا الأجواء المرعبة للمجموعة القصصية (إمراة من كمبو كديس) للكاتب عبد العزيز بركة ساكن الصادرة عن دار عزة للنشر . المجموعة تتصدرها قصة موسومةب (عاشق) وحين تلج القصة المكتوبة بأسلوب تقليدي هو أسلوب الرسالة المرسلة الي شخص  هو معلم الراوي في صباه الباكرتكتشف منذ الوهلة الأولى ان العنوان مراوغ وان القصة لاعلاقة لها من قريب أو بعيد بالعشق والحب  والمشاعرالانسانية النبيلة كافة، بل علي العكس تماما نجد قلوبا صماء متحجرةوشلالات من الدم المراق بلا جريرة وجبال من الحقد الأسود المستوطن في قلوب مظلمةوضمائر خربة جرداء ونفوس لايعرف الحب أو أي شعور نبيل طريقا اليها. ليس هناك بطل رومانسي وسيم ساحر وليست هناك بطلة حسناء حالمةتداعب خيالات النظارة وتتثنى كغصن جميل، بل هناك وحوش كاسرةودم مراق وضحايا لاحول لهم ولاقوة ومواكب جنائزية صامتة وضمائر ميتة . الراوى العميد الزين كاتب الرسالة  الي معلمه يكتب بوقاحة وصفاقة من بات قلبه كالحجارة أو أشد قسوة مستمتعا ومتلذذا باستعادة قصص تعذيبه وقتله لضحاياه الابرياء  مدعيا أن دخوله للجيش لم يكن الهدف منه مواصلة انحرافه المبكر الذى تجلي في قتل الكلاب والقطط والأشجار وسلخ قشرتها والاستمتاع بموتها البطئ المتدرج في صباه وهو الأمر الذى ذكره به معلمه في رسالة أرسلها اليه متهما إياه بانه ولج الكلية الحربية ليس بهدف الدفاع عن الوطن كما يدعى بل بهدف الانتقال من القتل المنظم للحيوانات والأشجار الي القتل المنظم للبشر. يكتب هذا الوحش الآدمى ليحكى مغامراته الوحشية ببرود أعصاب وعدم شعور بالذنب يحسد عليهما وهما في الحقيقة يبرزان نفسية المجرم المتلذذ بدماء الضحايا وأناتهم بصورة دقيقة تؤكد أنه أنسان معطوب وعسير علي الأصلاح لأن تلك البقعة المظلمة في تكوينه الروحى قد هزمت كل شئ إنسانى ونبيل فيه وأزهقته فبات لايشعر الا بتلك اللذة المريضة التى تعتريه حين يسحق ضحاياه الذين تحولوا عنده الي أرقام وأوهام مريضة عن الآخر ، أوهام لاترى في الآخرين إلا أعداء وحشرات يجب سحقها بلا رحمة
ونراه في رسالته يتفنن في تلطيخ وجوه الآخرين بصفات يطلقها عليهم من عنده بلا هوادة كما يطلق عليهم الرصاص فهو يصفهم كما يلي(الخائن معاوية الدكين)( الحزب البائد بقيادة ذلك الكافر أبو رؤوف)
( المتمردين العملاء المحليين)( كانت هناك قلة تمثل طابورا خامسا، فئة خائنة)وفي المقابل فهو يطلق علي نفسه ومن معه انبل الصفات(انحاز الشارع  كله في لحظة صدق وطنية غالية الي الحكومة الوطنيةفي شخص الرئيس مؤيدة له كحاكم أوحد للبلاد وقائد أبدي للجماهير)  أن هذا الجمل الذي لايري (عوجة رقبته) كما يقول المثل السودانى يحكى بلا أدنى شعور بالذنب كيف قتل أسيرا لاحول ولاقوة له وكيف عذبه هو وجنوده بلا شفقة ولارحمةوكيف أنهم حين عبثوا في جيوب القتيل وجدوا صورا لافراد اسرته وسمح القاتل لنفسه بالاحتفاظ بصورة زوجة القتيل لانها جميلة!! أنه تصوير بشع لنفوس خراب ليس فيها شئ من سمات البشر. ويبدو البطل معجبا بتفرده في وحشيته فيورد قصصا أخري تبين قسوته حين قتل شيخافوق الخمسين جريمته انه يقيم في قرية احتلها المتمردون قتله السفاح ببرود اعصاب رميا بالرصاص وهو يصفه بانه كلب وجاسوس والرجل يتوسل اليه أن يبقي علي حياته بلا طائل. القصة جميلة افسدتها النهاية وهي اضعف مافيها حيث ختمها المؤلف بعبارة تقريرية تقول(هذا الخطاب مثل الوثيقة الوحيدة التى قدم بواسطتها العميد الزين طه للمحكمة الدولية في لاهاي لمحاكمته كمجرم حرب) هذه الأضافة جاءت شرحا للقصة لم يكن المؤلف في حاجة له وكان عليه أن يثق في القارئ الحصيف ويترك له استخلاص النتائج والأحكام من خلال الصور واضحة الدلالات التى قدمها. فضلا عن أن القارئ سيتعاطف مع العميد الزين لأنه تعرض للخيانة من استاذه الذي استغل ثقته فيه وقدم مراسلاته الخاصة كدليل ضده فخان الأمانة مرتين مرة كمعلم ومرة كصديق، وهذا يهدم الغرض من القصة وهو حشد الغضب علي العميد الزين وليس علي المعلم.
في قصة بت الجزار تصوير طريف وموجع لجانب آخر من الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمع السودانى وتوثيق لوحش من نوع آخر هو معلم يغرر باحدي الفتيات المتدربات عنده باسم الزواج العرفى ويعلم أبوها بالأمر فيسافر من ريفه البعيد الي المدينة ليعالج الأمر حيث يستخدم حيلة طريفة يرعب بها الوحش فيرضخ ويتزوج البنت تحت وطأة خوفه من وهم هدده به الأب. يبدو مكر الأب في القصة رد فعل مشروع علي مكر من غرر ببنته وكأن المؤلف يقول أن الشر لايخرسه إلا شر مماثل. هذه هى رسالة القصة فهل هى دعوة لاستخدام العنف المضاد أم هى دعوة لانهاء كل اشكال العنف؟ يبقي السؤال منفتحا علي أكثر من أجابة فهو في الحقيقة دعوة للمناقشة لا الاجابة. قصة (لبن دافئ من اجل منتصر) التى
تحمل المجموعة الأسم المشتق من أحداثها قصة فريدة وهي تذكرنى بابطال انطون تشيخوف من الفقراء الراسفين في الأغلال والفقر في روسيا القيصرية قبل الثورة
فالقصة تتناول مشاهد من حياة امرأة فقيرة تعيش في حي فقير يسمي كمبو كديس وربما تكون دلالة التسمية انه مكان لائق بمعيشة الحيوانات كالقطط وليس لائقا لسكنى الانسان لكن هولاء الفقراء يسكنونه ويعانون من ملاحقة السلطات لهم، فتلك المرأة من كمبو كديس تضطر الي بيع الكسرة نهارا والخمور البلدية في باقي اليوم لتستطيع تربية أولادها ولكن الشرطة تلاحقها تنفيذا لسياسات السلطة وتقبض عليها متلبسة بحيازة الخمور فتسجنها وتحكم عليها بالغرامة والجلد وتضطر بنتها لحمل اخيها الرضيع منتصر اليها في محبسها لترضعه رضعاته الثلاث اليومية التى كانت ترضعه اياها اثناء عملها في بيع الكسرة. إن منتصر الصغير الباحث عن لبن دافئ هو منتصر علي السلطة وعسفها وجورها والمتمسك بحقه في الحياة في مواجهة سلطة تحرمه من الانسان الوحيد الذي يطعمه من جوع ويأمنه من خوف ( أمه) فهو بذلك يشكل رمزا لارادة الحياة لدى الطبقات المسحوقة تلك الارادة التى لايطفئها ولايهزمها جور ولاعسف ولاحكم جائر، لهذا السبب عبرت المرأة عن احتقارها للقاضي الممثل الرسمي للسلطة حين حاكمها بالجلد عقوبة علي كفاحها من اجل الحياة في ظل نظام اجتماعى فاسد لايرحم أنوثتها ولا انسانيتها ولاطفولة ابنها، وقف القاضي بعد نهاية الجلد كما يصفه الراوي(وعلي فمه ابتسامة صفراء قاسية محاولا من خلالها ان يكون تقياوعادلا محبوبا وحاسما في نفس الوقت : هيا قومى استغفري ربك الله واعلنى توبتك)
لكن كلتومة تلك المرأة الباسلة كان رد فعلها( نظرت اليه كلتومة نظرة فاحصة عميقة، ثم بصقت علي الأرض بصاقا داميا مرا.وشقت طريقهاعبر الجمع فكان عليها أن تسرع حتى لاتفوت منتصر الصغير رضعة الصباح.) انه مشهد بديع لصراع الضحية والجلاد، مشهد انتصرت فيه الضحية بأمومتها الحية علي السلطة بادوات قمعها التى أدمت ظهرها دون ان تطلق الضحية طلقة واحدة أو تصدر عنها آهةودون أن تمارس في مواجعهة القمع شيئا سوي فعل الحياة، فسياط السطة واهانتها لم تنسها رضعة الصباح التى ينتظرها منتصر الذى لاتراه السلطة ولاتكترث لجوعه، انها تفهم انها هى من يصنع الحياة وهم من يصنعون الموت. انها قصة رائعة بحق. وتظل صورة تلك المرأة الباسلة الصامدةتحت السياط والشرطي يرفع عقيرته عقب كل سوط وهى تنتظر انتهاء الجلد لتلحق بطفلها وترضعه رضعة الصباح تجسد صورة رائعة للصمود.
قصة( حذاء ساخن( قصة اقرب الي قصص الرعب وهى تصور أثر الحرب علي الجنود في مناطق العمليات عبر تجربة خاضها مجند  من مجندى الخدمة الالزامية يكلف بمرافقة ضابط صغير متغطرس حديث التخرج ويتعرض المجند الي مايشبه الهلوسة وتنتهى حياته بصورة فاجعة حين ينفجر لغم تحته ويمزقه أربا وتنتهي حياته وهو لايزال تحت تأثير الهلوسة. انه تصوير لمقولة أن الحروب تسحق الابرياء ولايتضرر مشعليها.
أما قصة الاستاذ صابر الدقيس فهي عبارة عن نكتة 
فالرجل الفقير حامل الشهادات الباحث عن وظيفة تعرض عليه وظيفة غريبة وهى ان يحل سجينا بديلا عن أمير ثري لمدة اربع سنوات مقابل مال وفير
يكفيه واسرته كل العمر وحين يوافق تحت ضغط الحاجة تصل النقود أسرته ولكنه يعدم بدلا عن الأمير . لعله (دقس) كما تقول العامية السودانية بمعنى انه تعرض لعملية خداع كلفته حياته بدلا من حريته ولهذا استحق اسم صابر الدقيس فصار اسما علي مسمى  .
في قصته (محاربة قديمة تحسم المعركة وحدها) يصور الرعب الذي يعيشه السكان المدنيون في مناطق النزاعات المسلحة حيث يظلون عرضة لتصرفات الجنود الطائشة حين يقبل الليل ويسكرون ويتصرفون مع السكان بصورة مثيرة للرعب، يصور الكاتب ذلك عبر تساؤلات وخوف ينتاب طفلة صغيرة تقيم مع أمها في منطقة تعيش ذلك الرعب الليلي اليومى، وتضطر الأم في النهاية الي حمل السلاح للدفاع عن نفسها وبنتها، انها قصة تصور جانبا خفيا للنزاعات المسلحة وماتفعله بالسكان المدنيون.
اما قصته (ضلالات) فهي علي ضعفها فنيا، حيث تبدو أقرب الي المسرحية منها الي القصة، إلا انها حافلة بمشاهد مختارة بعنايةمن كمبو كديس وطن الفقراء الطيبون الصغير، مشاهد تتنوع وشخصيات متعددة وحكايات متعددة لكن يربطها خيط واحد الفقر ومعاناة الفقراء ومفاهيمهم المختلفة للحياة وقيمها، وتبدو شخصية اسماعيل كوكو مرفعين نسرا أسطوريا يتمدد في فضاء القصة بفحولته وشجاعته ومغامراته النسائية ومصيره الفاجع حين مات في ميدان القتال في الجنوب في معركة ليس له مصلحة ظاهرة فيها بينما يظن أحد خصومه المحليين انه قتله باستخدام سحر أسود لان اسماعيل اعتدى علي عرضه ولم يجبر خاطره بالمال العرفي الذي يدفع في الأحوال المماثلة، وهكذا يبدو المكان حاضرا بحكاياته واعرافه واساطيره وصدقه الجارح. نجد العنوان مراوغاماكرا فجميع الحكايات ليس فيها من الضلال شيئا اللهم الا اذا كان الفقر ضلالا.
قصة( اسنان لاتغنى) تبدو الكلمة الشاذة في المجموعة حيث انها تدور في امريكا وبطلها سودانى مقيم هناك
وليس هناك ادنى صلة لموضوعها مع الجو العام للمجموعة وأسمها، تبدو القصة اختيارا غير موفق . وموضوعها موضوع متكرر ومطروق كثيرا وهو علاقة عاطفية سريعة الايقاع بين مهاجر شرقي واجنبية متحررة والجنس حاضر بقوة. 
ولكن القصة الأخيرة بالمجموعة( الأخدود) تعيدنا الي الاجواء العامة للمجموعة فهي تصور حال منطقة عانت الأمرين من النزاعات المسلحة الداخلية حد ان بعض أهلها توحشوا واصبحوا آكلي لحوم بشر وينثر بركة في اجواء القصة بهارات الجنس بشكل فانتازي يضيف الي القصة سحرا وغموضا وإثارة وابعادا فلسفية  عميقة فتبدو القصة شمعة تتراقص في ظلمة كهف عامر بالجماجم البشرية ومعاقي الحروب  وحتى البطل نفسه تاجر جلود حيوانات وبنقو ( مخدر محلي) فهو جزء من الشبكة العاملة في تدمير الطبيعة والإنسان. لذلك لم نلمس أي تعاطف أو شعور بالجميل منه تجاه الأنثي التى أنقذته من الموت علي أيدي أهلها المتوحشين، بل جعل منها موضعا للشهوة واللذة
.
تمزيق الأقنعة وتوحش النص:
القاسم المشترك بين نصوص المجموعة هو طابعها الإنسانى ونماذجها التى لاتنسي ولاتغيب عن الذاكرة
فهى نماذج منتزعة من الحياة العادية تجسد صراع الإنسان في الحياة وكفاحه من أجل البقاء وهى نماذج مكتوبة بمحبة وصدق متوهجين حتى تكاد تلامس قلوب أصحابها وترى أوجاعهم، ففي قصته ضلالات وصف دقيق لشخصية آمنة  الصبية التى تعانى من التبول اللا ارادى كما يلي( ترقد علي عنقريب مفروش ببرش أحمر، تحت العنقريب توجد جوالات خيش فارغة مفروشة علي الارض لتمتص ما قد يتساقط من بول عبر البرش) الوصف هنا وصف لمجمل البيئة الاجتماعية وليس للشخصية وحدها وتبلغ الدقةحد انك تري لوحة مكتملة تجسد المشهد وليس وصفا خارجيا.
وفي جزء آخر من القصة يورد موقف الطفل ابو ذر من انحراف اخته  المراهقة آمنة حيث يستخدم قرنيتا ويفجره قريبا منها محذرا اياها انه سيقتلها في المرة المقبلة ا ن هى واصلت سلوكها، وهنا يقدم القاص بذكاء ملمحا لأثر الحروب علي ثقافة المكان وعلي الأطفال وأحلامهم فنفس الصبي الذى يلعب بالقرنيت المدمر بدلا من اللعب بالطين البانى يحلم بدخول الجيش .بينما تفضل الفتاة ان تعمل في بيع الشاي علي مواصلة تعليمها حتى تساعد أمها بينما يحلم الثالث ان يعمل سائق كارو لتوفير رسوم تعليمه. تزداد الصورة  وضوحا اذا عرفنا ان هولاء الاطفال ابناء جندى مات في كبويتا في الجنوب في حرب ليس له صالح فيها تاركا اطفاله لكلاب الشوارع لتنهش اجسادهم النحيلة، أن اسماعيل كوكو مرفعين تخلي عن مهمته كأب مهمته في صنع الحياة لصالح العمل في خدمة الموت فكان نصيبه الموت في أرض بعيدة تاركا اطفاله مفتقدين للدفء، علي عكس تلك المرأة التى اختارت القتال في ميدان صنع الحياة
ولم تنسها السياط علي ظهرها رضعة الصباح الخاصة بطفلها وهى ذاتها المرأة التى أثقل كاهلها اسماعيل بتركة ثقيلة عليها تحمل عبئها، ان المراة السودانية تتحمل مشاق الحرب والسلم معا وتعانى من الأمراض مثل التبول اللا ارادي والفقر والجهل واستغلال الرجال لجسدها واستغلال الدولة لها وقمعها ومصادرتها لادوات حياتها المتاحة وحتى رجلها تجعل منه وقودا للحرب ولكنها لاتنحنى وتواصل ببسالة منقطعة النظير فعل الحياة والمقاومة بلا شعارات ولابحث عن دعم من أي نوع. لذلك وصف بركة(زهرة)   وصفا مباشرا بكونها الشهيدة في خاتمة قصته الرائعة( ضلالات) حين قال:(بينما كان الناس مشغولين بتفكيك الكعكة...كانت هي ساكنة وعلي شفتيها ابتسامة رضا عظيمة بلهاء وهي ترقب الملائكة يلتهمون كعكتها الطازجة إحتفاء بعرس الشهيدة، التي كانت هي نفسها) واللافت للنظر ان كلتومة صانعة الخمور وبائعة الشاي التى تحدت القاضى وسياطه وهرولت لترضع طفلها هى وجه آخر لصمود زهرة وهي مستقبل آمنة الصغيرة التى تعانى من التبول اللا ارادي ومن استغلال الرجال لجسدها وتفضل بيع الشاي علي التعليم ، اللافت للنظر أن كل النساء في قصص عبد العزيز بركة واقعات تحت قهر مركب من المجتمع ومن الرجال علي وجه الخصوص، والقصة الوحيدة التى غاب فيها النموذج النسائي المباشر هى قصة مجرم الحرب تنتهى باحتفاظه بصورة زوجة الأسير الذى قتله بدم بارد بدعوى انها جميلة وهنا تصوير مرعب لوضع المرأة عند هذا السفاح فهى موضوع لشهوة مريضة. في قصة صاحبة المنزل تصوير دقيق لواقع النساء فالقصة تعج بنماذج نسائية من الطبقة الفقيرة  يعملن في مهن هامشية مثل بيع السمسمية والشاي والتسالي وعرفن الطريق الي بيوت العزابةوميزات العساكر ولهثن خلف الكريمات الرخيصة والعطور الرخيصة علهن يمسحن آثار مالحق بهن من عفن قاع المجتمع بلا طائل. ولكنه في الحقيقة هو عار لايخصهن وعفونة لاتنتمى لهن، بل هو عار المجتمع الذي القي بهن في اليم مكتوفات وقال لهن :اياكن والبلل!! بل أن اقسام من هذا المجتمع لاتريد حتى رؤية وجوهها وقبحها في المرآة فطفقت تحارب بروز الحقيقة العارية في النصوص الأدبية بحجج مختلفة ولكن الغاية واحدة وهى عدم ابراز ما هو تحت القاع الي السطح ليس رفقاً بالناس من القبح بل رفقا بالقبح من الكشف!!انها رغبة مريضة في محاكمة الضحايا باستمرار وغض الطرف عن الجلاد. ان القصة عند عبد العزيز بركة ساكن اداة تشريح وفضح وتنوير
وهى متورطة عاطفياً منذ الوهلة الأولي مع نماذجها الإنسانية الواقعة تحت نير الظلم والاضطهاد ولعل هذا هو سبب توحش النص وعداونيته الظاهرة أحياناً، فالكاتب يتعمد أن يكون النص مستفزا للقارئ ومحفزا له علي اتخاذ موقع وموقف مما يجري، فالنص هنا ليس عارض أزياء يدور ببلاهة اثناء عرض نماذجه لكنه متجذر في تلك النماذج وناطق باسمها ومتورم الخدين مثلها وباحث عن الشمس وعن يد تأخذ بيده وتنتشله من أعماق الجب مثلها.أنه نص تحريضى من الدرجة الأولى.
والملفت في نصوص هذه المجموعة هو غياب الاستطرادات واللغة الشاعرية وإنصراف القاص الي مواضيعه مباشرة، حتى ان القارئ يلهث خلف الصور المتتابعة من أول صفحة الي آخر صفحة بلاتوقف  كمن يشاهد فيلما سينمائيا لاتتخلله أي فواصل اعلانية، وهذا وجه من وجوه جودة هذه النصوص والتى أميل الي القول بأنها منتزعة من الذاكرة الشخصية للكاتب أكثر من كونها من بنات الخيال، فصدق المشاعر وحرارتها ودقة التصوير للشخصيات حتى الجانبية يشير الي أن الشخوص من لحم ودم وخضعت لنوع من المعالجة الدرامية في اختيار زوايا القص وطريقته مع وجود خيط رئيس واحد متصاعد الي الامام بقوة مما جعل المجموعة تبدو كرواية واحدة متعددة الفصول.. ومما يدعم قولنا هذا ما اورده المؤلف في ليلة ثقافية ببيت الفنون بمدينة بحري حين تحدث عن مصادر حكاياته فقال انها قراءاته( فضلا عن انهار الحكايات في بئيته ومصائر بعض من يعرفهم والتي اثارت اسئلة ظلت بلا اجوبة فرفيق الصبا الذي قتل في حرب دائرة في مكان بعيد من الوطن واولئك العائدون بارجل مقطعة كانوا يثيرون الاسئلة دوما في ذهنه ) وقال في معرض حديثه ان روايته رماد الماء مثلا( حاولت الاجابة علي بعض الاسئلة حول الحرب الاهلية في جنوب السودان ، تلك الحرب التي أثرت في طفولته وصباه ومصائر رفاق احبهم لم يكن لهم ناقة فيها ولاجمل لكنهم دفعوا ثمنها باهظ رغم بعدهم جغرافيا عنها)    ولعله يجدر بنا القول ان هذه المجموعة  تعتبرمن أفضل ماكتب عبد العزيز بركة ساكن بعد رائعته( رماد الماء) وهى مجموعة جديرة بالقراءة والتوقف عندها وعند شخوصها وحكاياتهم الموجعة.
 صلاح الدين سر الختم على
مروي
الخامس والعشرين من اكتوبر 2013

المراجع والهوامش:
عبد العزيز بركة ساكن/ مجموعة ( امرأة من كمبو كديس) القصصية /اصدار دار عزة للنشر. الخرطوم.
عبد العزيز بركة ساكن / رماد الماء/ رواية/ دار رؤية للنشر القاهرة.                                               
انطون تشيخوف / الاعمال الكاملة.
السرد علي الهواء( تغطية لكاتب الدراسة لليلة ثقافية اقامتها مجموعة مشاهد وقصص قصيرة ببيت الفنون ببحري) منشورة بموقع مسارب سودانية / الرابط ادناه
                                                                                             http://www.msarpsudania.net/vb/showthread.php?968-%C7%E1%D3%D1%CF-%DA%E1%ED-%C7%E1%E5%E6%C7%C1-%E3%DA-%C7%E1%E3%C8%CF%DA-%DA%C8%CF-%C7%E1%DA%D2%ED%D2-%C8%D1%DF%C9-%D3%C7%DF%E4
**الكاتب والروائي عبد العزيز بركة ساكن وهو من مواليد مدينة كسلا شرق السودان عام 1963م، وهو صاحب رواية (الطواحين) ورواية (رماد الماء) وله مجموعة قصصية بعنوان (على هامش الأرصفة) وأخرى بعنوان (امرأة من كمبو كديس)، حقق جائزة الـ بي بي سي أكثر من مرة عن قصته (دراما الأسير) ثم عن قصته (فيزياء اللون)، ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية
كتب أيضا عددا من النصوص المسرحية، صدر عن (مكتبة الشريف الأكاديمية) كتاب (البلاد 
الكبيرة) في (552) صفحة من القطع المتوسط، متضمنا روايتيه: الطواحين ورمادالماء،بالإضافة إلى روايته (زوج امرأة الرصاص) التي تنشر لأول مرة، ضمن هذا الكتاب.روايته (الجنقو- مسامير الأرض) حققت جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها التي أعلنت ظهر الأربعاء ا 21أكتوبر2009 بمركز عبدالكريم ميرغني الثقافي وسط حضور إبداعي وإعلامي حاشد" وتم حظرها فيما بعد بقرار هئية المصنفات الادبية.
صودرت مجمــوعته القصصية«امرأة من كمبو كديس» في 2009 وجمعت من جناح مكتبة عزة في معرض الخرطوم الدولي للكتاب، كما يقول في حديثه إلى «الحياة».وقبلها كانت أمانة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005 أصدرت مجموعته القصصية «على هامش الأرصفة» إلا انهاسارعت إلى سحبها بعد اجتماع ساخن لمسؤولين نشرت وقائعه صحيفة «الحياة»
المحلية وقد استغرب بعضهم محتوى المجموعة القصصية الـ «خادش للحياءالعام.) مؤخرا صدرت له روايتان (مسيح دارفور) (وذاكرة الخندريس).

Friday, September 20, 2013

رواية الحفيدة الامريكية للعراقية / إنعام كجه جى رواية الجراح الموجعة وصراع الهوية المتبدلة


رواية (الحفيدة الامريكية) للكاتبة العراقية (إنعام كجه جى) المقيمة فى فرنسا هى رواية اخرى تتكىء على التاريخ وتلامس جراحه الموجعة  فهى تروى قصة العراقية (زينة بهنام) حفيدة عقيد فى الجيش الوطنى العراقى ، تركت بلدها مراهقة صغيرة واستقرت مع والدتها فى الولايات المتحدة الامريكيةبسبب الإضطهاد في وطنها وعادت الى العراق بعد الغزو الامريكى للعراق ، جندية فى صفوف جيش الاحتلال ، الرواية تجسد فصلا مهما من التاريخ العربى والانسانى المعاصر،  فصل الاحتلال المباشر للعراق ، فصل تبديل الهوية الوطنية وسلخ الجلد والتخلى عن الانتماء للعروبة والوطن ،فصل العودة الي عصور الغزو والاحتلال والاستعباد للشعوب. الرواية عبارة عن سياحة مؤلمة فى ردهات التاريخ المعاصر ، الرواية صدرت طبعتها الثانية فى 2009 عن دار الجديد / بيروت – لبنان وتقع احداثها فى مائة خمسة وتسعون صفحة من القطع الصغير المتوسط وهى واحدة من ست روايات اختيرت على اللائحة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2009 .
تصور الرواية رحلة عودة الامريكية من اصل عراقى (زينة بهنام) الى وطنها ومسقط رأسها مع الجيش الغازى بعد ان بدلت هويتها الوطنية وباتت مواطنة امريكية على الورق الرسمى ولكن هويتها الاصلية لم تمت بداخلها بل ظلت حية تعذبها وتجلدها جلدا موجعا تصفه البطلة فى الرواية بشكل دقيق حيث تصور التقائها مع ابناء وطنها المحتل بعد ان باتت جندية فى الجيش فى الجيش الغازى (مررنا برجال ذوى شوارب كثيفة ولباس ابيض ، يعتمرون كوفيات ناصعة ظهروا من وراء اشجار السرو راحو يرمقون رتلنا بنظرات من نار  وددت لو اقفز من العربة المدرعة واصيح (الله ساعدهم) ! ان اتبادل واياهم اى حديث ، كنت اريد ان اتباهى امامهم بأننى منهم ، سليلة منطقتهم ، اتكلم لغتهم بلهجتهم ، وبأن جدى هو العقيد اركن يوسف الساعور الذى كان فى اربعينات القرن الماضى مساعدا لمدير التجنيد  فى الموصل ، لكن كل ذلك كان مخالفا للتعليمات ، التعليمات تريدنى خرساء ، لذلك تضايقت ، للمرة الاولى من بزتى العسكرية التى تعزلنى عن الناس كأننى فى خندق وهم فى اخر وعلى ان اكون ابنتهم وعدوتهم فى آن ، وان يكونوا هم ، فى الوقت عينه أهلى وخصومى ) .
تصور الرواية كيف اقنع الاعلام الامريكى العراقيين المقيمين فى امريكا بأن احتلال بلدهم مهمة وطنية (كنت اقول مثلما تقول (فوكس نيوز) إننى ذاهبة فى مهمة وطنية ، جندية اتقدم لمساعدة حكومتى وشعبى وجيشى ، جيشنا الامريكى الذى سيعمل على اسقاط صدام وتحرير شعب ذاق المر .) وتقول لتقنع نفسها بنبل مهمتها : (مساكين اهل العراق ، لن يصدقوا اعينهم حين تتفتح على الحرية ، حتى الشيخ العجوز منهم سيعود ولدا صغيرا وهو يرشف حليب الديمقراطية ويتذوق طعم الحياة كما عشتها انا هنا . ) ، وتقول فى الوقت نفسه بوقاحة امريكية حقيقية السبب الحقيقى لمشاركتها فى المهمة النبيلة : (افكار كانت تشع فى راسى وتضىء سيارتى وتزداد إلتماعا حين تعثرت بالمائة وستة وثمانين الف دولار ، ثمن لغتى النادرة ، بل ثمن دمى . ) .
ان السبب الحقيقى إذا هو الدولار المنتظر حصاده ليس الا .
ولا تستحى الفتاة العراقية الاصل الامريكية الهوية من القول (كيف تكون المشاعر الوطنية ؟ خزعبلات لم تكن تعنى لى الكثير ، لا فى طفولتى العراقية ولا فى شبابى الامريكى ، لكن ما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر اصابنى بمس كهربائى سرت حرارته فى اجسام كل من اعرف من اصدقاء وجيران ، تحولنا الى كائنات تهتز وتنتفض وتطلق اصوات استنكار وهلع. )
تؤرخ العراقية التى باتت امريكية لحدث العصر (احداث الحادى عشر من سبتمبر ) وترصد اثرها على الحياة والناس (رأيت طائرة تصطدم ببرج ، وكان هناك على الشاشة برج مجاور يحترق ، جمدت فى وقفتى ولم اجلس ، كنت اعرف هذين المبنيين ، رأيت امريكا تحترق امامى وشممت رائحة الشواء) .
الرواية مكتوبة بضمير المتكلم الذى يتولى اسرد من البداية الى النهاية مسيطرا على فضاء السرد راويا عليما يمثل مركز المعرفة ولا يسمح لغيره بمشاركته السرد – انها رواية الصوت السردى الواحد المهيمن ، كأنما ارادت المؤلفة ان يتماهى القالب الفنى مع الشخصية الامريكية المهيمنة بطبيعتها والتى تجعل من نفسها مركزا للعالم وجلادا وقاضيا يصدر الاحكام وينفذها ويبررها منفردا ، ولكن شخصية البطلة المركبة (عراقية تحت الجلد وامريكية فوقه ) تجعل الصوت السردى الوحيد يبدو كأنه صوتان يتنازعان السرد ، فالصراع داخل شخصية البطلة بين هويتها الاصلية وهويتها الجديدة المكتسبة يجعل السرد متنازعا بين رؤيتين للعالم رؤية الامريكية المنتصرة الراغبة فى تبرير كل فعل ، ورؤية العراقية المهزومة التى تنظر بعين المهزوم وعين الريبة والتجريم لما جرى ويجرى بارض العراق ، انه صراع القوتين المتصارعتين في شوارع بغداد واحيائها المدمرة بالقذائف الامريكية ينتقل الى داخل (زينة) العراقية الامريكية التى جاءت لتترجم للجيش الغازى كفرد منه فوجدت نفسها تتحول الى وثيقة إدانة ومراسل صحفى يوثق لما جرى من وجهة نظر المفعول به ، لقد تحولت المترجمة الى مترجمة للأهالى العراقيين المسحوقين تحت الدبابات الأمريكية بدلا عن كونهامترجمة للجيش الامريكى الغازى.
فى كل سطر من الرواية نشتم رائحة التاريخ ، ففى الرواية تروى البطلة تاريخها الشخصى منذ ان كانت طفلة فى العراق وكيف انتقلت مع اسرتها جبرا من العراق الى الأردن ثم لاجئين الى امريكا وتحكى رحلة العودة الى الوطن غازية مع جيش غازى بعد خمسة عشر عاما من مغادرته هاربة لاجئة بهوية مستعارة ، وتحكى حكاية والدها المذيع الرقيق فى التلفزيون العراقى الذى افاق ذات صباح ليجد نفسه مطلوبا امنيا نتيجة وشاية كاذبة ، يعتقل من بيته ويصفع امام اسرته ثم يعذب تعذيبا نكرا بواسطة زبانية صدام حسين ن وعندما تشكو زوجته لاستاذ جامعى تعذيب زوجها يقول لها انه لم يعذب بل تم اللهو معه قليلا فقط ، عند افتقاد الاسرة للشعور بالامان تهرب الى الاردن ثم الى امريكا لاجئين من عسف السلطات العراقية ، لكن (بتول) الام تبقى مع ذلك تحن الى وطنها وتبقى وفية له بشكل مدهش تصوره البطلة فى الرواية بشكل رائع وحزين حين تصف لحظات تحول امها الى مواطنة امريكية فى الرواية وبكائها حزنا وطلبها الغفران من والدها بدلا من الفرحة (بتول لم تتهندم وتترتب مثل الالاف الذين غصت بهم المنطقة المحيطة بجامعة (وين ستيت)) (مشت امى مبتعدة عنا كمن تسير فى جنازة وجست ملمومة على نفسها تحتضن حقيبتها اليدوية وكأنها تتستر على شىء ما فى داخلها ، وبدأت ترمق جيرانها الذين لا تسعهم الفرحة بحلول موعد تجنيسهم ، انه عرسهم الجماعى الذى سيؤدون فيه يمين الولاء لوطن الجديد افائض الخيرات وبعد اداء القسم سيحق لكل منهم ان يدفع صدره الى الامام ويتباهى : (اي ام ان امريكان سيتزين)أنها قمة المأساة أن يفرح شخص بتزوير هويته الوطنىة ، لكن بتول العراقية الحزينة لم تفرح أبدا (حين بدا مكبر الصوت ينقل خطاب حاكم الولاية وهو يقرأ النص الذى يعلن الولاء للارض الجديدة ، حيث راح الامريكان الجدد الحاصلون على الجنسية للتو ، يتعانقون ويتبادلون التهانى ، حينها سمعت صوت امى يتحشرج وكأنها تختنق ، والتفتت اليها ورأيت وجهها الابيض الوديع وقد صار قرمزيا كمن داهمتها حمى ، والدموع تهطل عزيرة من عينيها . )    
ويبلغ المشهد الذروة هنا : (بينما الجموع تضع ايديها على مواضع قلوبها وتلهج بالنشيد الوطنى الذى تعزفه فرقة الجاز : (يارب احفظ امريكا ، غاد بلس امريكا) كان صوت السيدة العراقية بتول الساعور ، امى ، هو النشاز الوحيد الذى يولول بالعربية : (سامحنى يا ابى ... بابا سامحنى) .
 ان العراقية بتول الهاربة من جحيم الاضطهاد فى وطنها ظل شعورها الوطنى هو الأعلى فى داخلها فى لحظة تبديل الهوية ، ظل احساسها بالذنب وشعورها بأنها قد خانت وطنها وارثها الانسانى والعائلى اعلى من اى فرحة زائفة قد يفرحها من يمنح جنسية اكبر دولة فى العالم . إن الاضطهاد في الوطن لايبرر تغيير الجلد ونزع الهوية الوطنىة.
ان المؤلفة هنا تكتب تاريخا مزدوج الزوايا ، تاريخ العراق / تاريخ امريكا / تاريخ اسرة البطلة / التاريخ الانسانى ، هكذا تقارب الرواية التاريخ من خلال متابعة سرة شخص ثم سيرة أسرة ثم سيرة شعب ومن خلال ذلك كله تكتب الرواية تاريخ الانسانية جمعاء ففى الرواية تلتقى نيران الحادى عشر من سبتمبر المشتعلة فى قلب امريكا بالنيران التى اشعلها الجيش الامريكى فى بغداد ، تلتقى انهار الدماء فى نيو يورك بانهار الدماء فى بغداد وتكريت والحلة والرمادى وتلتقى انهار الدموع هنا بتلك هنالك . لافرق بين دماء يسأل عنها صدام ونظامه ودماء تسأل عنها القاعدة ودماء تسأل عنها الإدارة الامريكية، كلها دماء وكلهم قتلة وأن صار القاتل مقتولا فيما بعد كما هو حال صدام ورجال القاعدة وجنود الجيش الأمريكى نفسه.
لذلك كان طبيعيا ان يبقى فى البنت (زينة بهنام) التى وثقت هذه اللحظات فى حياة امها شىء مماثل من الشعور الوطنى الحى والارتباط الروحى بالعراق برغم كونها امتلكت جنسية امريكية وباتت جندية فى الجيش الامريكى الغازى للعراق – تكتب البطلة ذلك بشكل شفاف :- (ورغم حماستى للحرب اكتشف اننى اتألم الما من نوع غريب يصعب تعريفه ، هل انا منافقة ، امريكية بوجهين ؟ ام عراقية في سبات عميق مؤجل مثل الجواسيس النائمين المزروعين فى ارض العدو منذ سنوات ؟ لماذا اشعر بالاشفاق على الضحايا وكأننى تأثرت بالأم تريزا، شريكتى فى اسم القديسة شفيعتى ؟ كنت انكمش وانا اشاهد بغداد تقصف او ترتفع فيها اعمدة الدخان بعد الغارات الامريكية كأننى ارى نفسى وانا احرق شعرى بولاعة سجائر أمى ، او اخز جلدى بمقصف اظافرى . لماذا أعجز عن الجلوس فى مقعدى لخمس دقائق ، اقول للأخرى التى هى انا إن هناك اطفالا يفزعون وأبرياء يموتون بلا سبب ولا ذنب فى بغداد ، اقول لها ان الاطفال يمكن ان يكونوا ابناء رفيقاتك فى الدراسة ، والابرياء قد يكونون اولاد عمك وبنات خالاتك .) .
هكذا تبقى (زينة) رغم أنفها وانف من أرادوا محو هويتها الوطنية والثقافية وتدجينها وتلويث أيديها بدماء شعبها ، هى زينة العربية العراقية التى لا تغير فيها مسألة انتمائها الى امريكا والجيش الامريكى شيئا يبقى جوهرها الوطنى والانسانى حياً برغم كل شىء فظلت ( تنكمش ) حين تشاهد بغداد قصف بنيران امريكية وترتفع فيها اعمدة الدخان – وظلت تقول لنفسها ان آلة الحرب التى حاولت وسائل الاعلام الامريكية جعلها حربا مقدسة تحصد كل صباح اطفالا وابرياء يموتون بلا سبب ولا جريرة !!.
ان (زينة) هى ضمير حى لا يموت ،هى ضمير البشرية كله . لكنها لا تخلو من تشوهات مع ذلك فهى حين ترى الحطام والدمار فى بغداد اول مرة تميل الى تبريرة باحداث سبتمبر كما فعل الغرب فى تبريره لجريمة احتلال العراق وتدميرة فتقول (وقد رأيت ونحن نعبر جانبا من بغداد ، حطاما لم ار مثله من قبل ، بلى ... ان هذه المبانى المحترقة المتداعية التى تصفر فيها الريح تشبه الرماد الذى هطل  على نيويورك بعد ذلك الحادى عشر الاليم من سبتمبر ، ألم يقابل الما وخراب يقود الى خراب ، هذا ما كنت اتصوره وانا فى تلك المرحلة المبكرة من سذاجتى ) وفى مقطع ملىء بالسخرية تجسد الكاتبة على لسان البطلة الفرق بين ما تنشره آلة الدعاية الامريكية حول حرب العراق وبين ماهو يجرى على الارض حقيقة (لم اكن قد فكرت كيف سيستقبلنا العراقيون ، لكن ما رأيته فى القنوات الامريكية لم يكن محبطا ، هذا شعب متحمس لتغيير النظام ، يحلم بالحرية ويرحب بقدوم الجيش الامريكى ، لماذا إذا ، تطفح العيون السود البارزة من شقوق العبايات بكل هذا الصد ؟ نظرات لا تعكس الفة ولا فرحا .) .
فبينما تصور القنوات الامريكية حرب العراق بأنها حرب لتحرير شعب تواق للحرية والجنة الامريكية الموعودة ، تجد الراوية الكراهية للجيش الامريكى مرتسمة على وجوه العراقيين فى ابهى معانيها فى تكذيب صريح لآلة الحرب الاعلامية الامريكية .
وتمضى الرواية من اولها الي اخرها نغما حزينا ومرثية صادمة وصادقة للعراق الذى كان ملء السمع والبصر قبل الغزو الامريكى المدمر وتنتهى الرواية بعبارة ذات مغزى (شُلت يمينى إذا نسيتك بغداد .) .
ان الراوية تعود الى جذورها فى الختام وتخلع البدلة العسكرية الامريكية والانتماء الامريكى الطارىء لتعود الى بحرها الاصيل – بحر بغداد والعروبة الضائعة فتعود حفيدة عراقية وليست امريكية بعد ان اغتسلت فى نهر الحقيقة فى العراق من كل اكاذيب الدعاية الامريكية ومبرراتها لشن الحرب على بلاد حرة ذات سيادة وتدميرها ، ان الرواية تنتهى بعقد محاكمة قاسية لمن خططوا ونفذوا حرب العراق بحجة الاطاحة بنظام ينعقد الإختصاص والحق بشأن قبوله ورفضه وتغييره والإبقاء عليه لشعب العراق وحده . لكن من خططوا للحرب علي العراق كانوا يبحثون عن ذريعة وثياب تنكرية يخفون خلفها الوجه الحقيقي والأغراض الخفية الكامنة وراء تدميرهم لبلاد عظيمة وجيش عظيم  
الرواية قبل كل شئ لوحة انسانية رائعة عامرة بالشجن تجبر كل من يقرأها علي اعادة النظر فيما جري ويجرى بارض الحضارات باياد امريكية أصيلة ووكيلة.
صلاح الدين سر الختم على

(معاوية محمد نور) السراج الذي لم يطفئه الموت - مفكرا وناقدا وقاصاً - / صلاح الدين سر الختم على



(معاوية) العبقري الذي رسم صورة دقيقة عن مصيره قبل رحيله باثني عشر عاماً!!
قصة (إيمان) قصة سابقة لعصرها كتبها مبدع سابق لعصره0
(التيجاني يوسف بشير) و(معاوية محمد نور) و(علي عبد اللطيف) هل كانوا ضحية مؤامرة استعمارية؟
تمهيد:
يشكل القاص والناقد والمفكر والكاتب الرائد"معاوية محمد نور" فصلا مهما في كتاب الفكر والأدب السوداني – بل والعربي والعالمي – يصعب ويستحيل تجاوزه أو المرور عليه مرور الكرام فقد كتب (معاوية) في عصره القصير "1909 – 1941" اسمه بأحرف من نور في تاريخ الفكر السوداني والعالمي ولا تزال النصوص التي خطها يراعه  الغض في ذلك الزمن المبكر نسبيا تحتوي أحكاما صحيحة ونافذة إلى يومنا هذا ولا تزال كنوزا للمعرفة العميقة التي لا ينضب معينها ولا تنتهي صلاحيتها.
نحاول في هذه الساحة أن نلقي بعض الضوء على هذا الهرم السوداني الشامخ وان نعطي الأجيال الجديدة لمحات يسيرة عن عظمة هذا المفكر والناقد والقاص الموسوعي علها تكون فاتحة خير تدفعهم الى مزيد من التقصي والتحري عن الجوانب المجهولة في تاريخنا الفكري والثقافي حتى تستبين ملامح الأمة العظيمة للكافة.
من هو (معاوية محمد نور)؟
- ولد (معاوية محمد نور) في عام 1909 وهو ينحدر من عائلة ميسورة الحال عريقة الاصلK وقد كان جده لأمه "محمد عثمان حاج خالد" أميرا من أمراء المهدية>
*وقد عانى (معاوية) من اليتم المبكر حين رحل أبوه عن الدنيا قبل أن يبلغ (معاوية) العاشرة من عمره .
وتولى أخواله تربيته وكان من بينهم (الدرديري محمد عثمان) الذي كان من الرعيل الأول من المتعلمين السودانيين وقد كان أول سوداني يتولى منصب قاضي المحكمة العليا في تاريخ القضاء السوداني وقد كان من رواد الحركة الوطنية في السودان واختير عضوا في مجلس الرئاسة بعد الاستقلال.
- دخل (معاوية) الخلوة وتعلم فيها القراءة والكتابة ثم انتقل إلى مدرسة امدرمان الأولية – ثم انتقل إلى المدرسة الوسطى بعد أن اجتاز الامتحان بتفوق ملحوظ. ومن ثم اختير لدخول (كلية غردون).
- وفي كلية غردون بدأ حبه للبحث والتحصيل واضحا وتملكه حب الاطلاع بدرجة كبيرة حتى صار يدخر كل درهم يحصل عليه كي يشتري به كتباً
- ومن هذا الوقت بدأت ميوله الأدبية تبدو واضحة جلية وبدأ نجمه في عالم الأدب يتألق سريعا حيث كان يكتب في الصحف السيارة والمجلات بالسودان – ومن بينها جريدة الحضارة – الكثير من المقالات والتراجم من الأدب الانجليزي بتوقيع مستعار هو "مطالع".
- وحينما أتم معاوية دراسته الثانوية بكلية غردون سنة 1927 اختير لدراسة الطب وكانت وقفا على قلة مصطفاة من النابغين من طلبة المرحلة الثانوية. وكان الانخراط في كلية الطب – الحديثة التأسيس آنذاك – حلما يراود كل شاب في السودان ولكن (معاوية) سرعان ما جاهر بعزوفه عن الالتحاق بكلية الطب، ذاكرا انه يبغى مواصلة دراساته الأدبية التي علق بها وتملكت شفاف قلبه. وتحت ضغوط أهله وأساتذته وزملائه انخرط (معاوية) في كلية الطب وواصل دراسته بها مدى عامين اظهر خلالها تبرما بمناهجها وكان يبحث عن وسيلة للخلاص من دراسة الطب. ولما لم يجد أذن صاغية لم يجد بداً من الفرار إلى القاهرة عساه يشفي غليله من العلم والمعرفة في المجال الذي يرغب في دراسته.
وكان قراره صدمة قاسية على أهله لأسباب عديدة، ذلك انه ضحى بدراسة الطب التي كان يحسده عليها الكثيرون ، فضلا عن أن مصر في ذلك الحين كانت محرمة على السودانيين سياسيا وكان من يهبط مصر من السودانيين يعتبر هاربا سياسيا في نظر حكومة السودان الانجليزية في ذلك الوقت، لذلك سارع خاله "خالد محمد عثمان" بالذهاب إلى مدير التعليم مبديا عدم رضائه عما أقدم عليه معاوية واعدا بملاحقته في مصر لإرجاعه راجيا الاحتفاظ له بمكانه في كلية الطب ريثما يعود به وقد استجاب المدير لذلك.وفي مصر سعى خاله لدى وزارة الخارجية والمسئولين لمساعدته في العثور على (معاوية) وقد استجاب المسئولون لذلك اذ سرعان ما أتي بالفتى مخفورا بالحراس إلى قسم عابدين حيث احتجز ليلة سلم بعدها لخاله الذي عاد به للسودان.
- بعد الإعادة الجبرية إلى السودان عرض (معاوية) على خاله السماح له بالتحاق بإحدى الكليات الأدبية التي توائم مواهبه في لبنان. 
وبعد استشارة أخواله الاستاذ (ادوارد عطية) الذي نصح بتحقيق رغبة (معاوية) وافقوا على طلبه، وبعد أسابيع قليلة انطلقت السفينة تحمل (معاوية) إلى بيروت حيث التحق بكلية الآداب التابعة للجامعة الاميريكية.
- وما إن استقر معاوية في بيروت حتى تجلت مواهبه الادبية وكان معاوية أثناء إقامته ببيروت يراسل المجلات والجرائد المصرية ويبعث إليها مقالاته الأدبية ودراساته النظرية وأبحاثه الاجتماعية والفلسفية وقصصه، وكانت مقالاته تظهر على صفحات "السياسة الأسبوعية" التي كانت صفحاتها وقفا على الأدباء المرموقين – وكتب (معاوية) في أمهات المجلات العربية مثل (المقتطف) و(الهلال) و(الرسالة)و(البلاغ الأسبوعي) و(جريدة مصر) و(الجهاد).
- لما أتم دراسته في بيروت حضر إلى القاهرة ليعمل بالصحافة مدفوعا في ذلك بحماس الشباب المفكر المحب لحياة الأدب والفن، وعين محررا بجريدة مصر ومشرفا على صفحاتها الأدبية التي تضمنت الكثير من مقالاته وأبحاثه وقصصه.
- وكان (معاوية) شيئا جديدا على الأوساط الأدبية في القاهرة وظاهرة جعلت أدباء القاهرة ومفكريها يناقشون عنها في صالوناتهم ، وقد لفت (معاوية) نظر المفكر الأستاذ "عباس محمود العقاد" الذي أدناه منه وقربه إليه ، وكان يجد إمتاعا لا يعادله إمتاع في مناظرته ومناقشته في شتى الموضوعات الادبية. وقد قال العقاد عن (معاوية) بعد رحيله "لو عاش معاوية لكان نجما متفردا في عالم الفكر العربي".
- وكان معاوية) يطبق في كتاباته القواعد الغربية في النقد الأمر الذي اكسبه شهرة واسعة إلى أن ساهم في تأسيس "جماعة الأدب القومي".
- وكان معاوية جريئا في نقده، غزيرا في إنتاجه يلاحق كا ما تخرج به المطبعة ويلتهمه ويقوم بالتعليق عليه، وتميز أسلوبه النقدي بالتجرد والموضوعية وكتب معاوية إلى جانب النقد(الأقصوصة) و(القصة الطويلة) وكتب السيرة والترجمة والرواية وكان له ذوقا فنيا رفيعا فكان يتذوق الموسيقى والأدب والرسم والتصوير وكان يقدس الفن ويتنبأ بسيادته ضروب المعرفة الأخرى فيقول "سيجيء اليوم الذي تزول فيه الفلسفة كما نعرفها الآن وان الفن سيبتلع كل صنوف التفكير والشعور والدين والعلم الرياضي ليخرج بذلك فنا يحمل كل ميزة هولاء ولا يفقد طابعه الخالص وقالبه الدقيق"
- غرفة علي السطوح!!
- واصل معاوية حياته في القاهرة يرتاد آفاق الفكر ويغشي صالونات الأدب وندواته ويقضي يومه متنقلا بين المكتبات ودور الصحف، وحينما يجن الليل يأوي إلى سكنه البسيط في مصر الجديدة، وكان عبارة عن غرفة فوق سطح إحدى العمارات بها أثاث بسيط وكانت تكتظ حسب قول معاوية بالكتب والمراجع المبعثرة في أركانها وفوق قطع الاثاث، وكان (معاوية) يعيش في شظف ولا يصيب من أسباب الرزق إلا ما يقيم الأود  ولم يمض زمن طويل حتى بدا جسده المكدود يترنح تحت وطأة الجوع والإعياء وصار نهبا للمرض والداء وتملكه الأسى حيث ظل طريحا لفراشه لفترة زمنية ليست بالقصيرة لم يعده خلالها إلا القليل من الاصدقاء. ولم يجد مفرا من التفكير في الرجوع إلى بلاده ولكنه ما إن هبط السودان حتى أصبح هدفا لحرب لا هواده فيها من السلطات الاستعمارية التي كانت تنظر إليه بحذر وريبة بعد أن بلغت شهرة مقالاته الآفاق وكانت تلك السلطات تعتبره احد الخطرين على الأمن الذي يحسن التخلص منهم. وقد ظهر هذا في وثيقة سرية نشرتها صحيفة البلاغ في عددها رقم 7777 بتاريخ 30 مارس 1947 والحاوية على المراسلات التي دارت بين مدير الأمن ووزير التعليم والحاكم العام للسودان بشأن (معاوية).
- نسبة للمضايقات التي وجدها عاوده الحنين مرة أخرى إلى مصر – فعاد وهو حانق وغاضب على السلطة الاستعمارية وتجلى حنقه في المقالات التي كتبها في هذه المرحلة. وجاءت مقالاته تفيض سخرية وفضحا للاستعمار وادعاءات الرجل الأبيض وجاءت مقالاته في سلسلة متصلة تحت عنوان "ماذا في السودان" في هذا السياق مبتغيا كسب التعاطف مع بلاده وفضح الاستعمار وسياساته ففي مقاله المنشور في جريدة الجهاد بتاريخ 23 فبراير 1933 كتب معاوية "ذهبت إلى السودان بعد غياب عامين ونصف، وكنت امني نفسي في الطريق أن أرى وطني على خير ما يود الوطني لبلاده" ثم ينطلق في وصف ما كان عليه حال السودانيين وما ال إليه ويقارن وضع الوطنيين بالأجانب ويتساءل قائلا: "لكن ما هي الأعمال التي يبرر بها الانجليز وجودهم في السودان؟" أهذه هي رسالة الحضارة الأوربية إلى الوحشية الأفريقية؟ أهي تسخير للرجل الأفريقي طيلة يومه لينعم الرجل الانجليزي بكماليات الجسد امن أجل هذا يبقون على الجهل ويحاربون النور والعلم؟"
وفي مقال آخر نشرته جريدة الجهاد بتاريخ 27 فبراير 1923 ينتقد (معاوية) بصورة علمية تجربة الإدارة الأهلية في السودان مشيرا إلى أنها ترمى إلى أبعاد الفئات المتعلمة من السودانيين من شئون الحكم وترمي إلى تحويل الإدارة الأهلية ورجالها إلى موظفين أجانب في خدمة الإدارة الاستعمارية. ويقول معاوية "ان الإدارة الأهلية التي لم يعرفها السودان قبل سنة 1924، أنها هي وليدة الحاجة السياسية للقضاء على مستقبل السودان السياسي من قبل حركة قومية مستنيرة يقودها الرأي العام السوداني المستنير، وهي أيضا حيلة سياسية لصد المفاوض المصري في مسالة السودان بان السودان أصبح يحكم نفسه بنفسه، وهي أيضا تخلي عن المسئولية عن حكم البلاد مباشرة وإلقاء سوء الإدارة على الأهالي أنفسهم بان القوها على عاتق رؤساء القبائل الجهلاء وتفادوا أو أنهم بذلك يتفادون مسئولية سوء الحكم. كما أنهم ارادو بها أن يوسعوا هوة الخلاف بين الآباء والأبناء المتعلمين، وان يجعلوا دافعي الضرائب يكرهون مشايخهم ورؤساءهم فينادون بان حكم الرجل الأبيض اعدل واحق. على أننا نسأل سادتنا الانجليز ، إذا كان السودان يحكم نفسه بنفسه عن طريق رؤساء القبائل كما يقولون، وإذا كانت مسئولية الإدارة غير ملقاة على عاتقهم، فبماذا يبررون وجودهم في تلك البلاد؟.
- وفي يوم مارس من عام 1933 نفسه نشر (معاوية) مقالا آخر حول "الإدارة الأهلية" بجريدة الجهاد
- ثم واصل (معاوية) نضاله بالقلم والفكر الثاقب فكتب مقالا ناريا آخر بعدد 17 مارس 1923 عن "سياسة التعليم في السودان" يفضح فيه سياسة الإدارة الاستعمارية الرامية إلى إشاعة الجهل وتخريج إنصاف المتعلمين الذين يسدون حاجتها ولا يفيدون بلادهم في شيء. وينتقد معاوية مناهج وسياسة التعليم في السودان وفي كلية (غردون) على وجه الخصوص فيقول "الطالب في كلية غردون لا يعامل على انه طالب علم من أهم خصائصه العطف والفهم المتبادل، ولكنه يعامل بالجلد والحبس ومر العقاب. ومناهج التدريس في كلية غردون تجعله غريبا في بلده، فليس هناك مجال للعلوم الطبيعية أو التاريخ الحديث أو الآداب، وإنما تعليمه تمرين على الالة الكاتبة او على شئون الهندسة العملية والمحاسبة لكي يملآ الطالب وظيفة صغيرة في الحكومة لا يصلح في عمل سواها ولا يفقه شيئا في عالم الأدب والتاريخ والاجتماع"
- وفي 25 مارس 1933 نشر (معاوية) مقالا آخر في سلسلة مقالاته الملتهبة دار موضوعه حول الأوضاع الصحية في السودان وكان عنوانه "الأهالي بين المرض والصحة" ونشر بجريدة الجهاد ايضا وجاء فيه: "إن كل ما يقال عن محاربة الأمراض في السودان ذر للرماد في العيون"


معاوية رائدا للقصة السودانية:
وتحتل قصص معاوية ودراسته موقع الريادة والصدارة في الأدب السوداني ويرى القاص والناقد "مختار عجوبة" أن (معاوية هو أول من كتب قصة قصيرة مكتملة من الناحية الفنية)
- أو قصة له هي (ابن عمه) نشرت بالسياسة الأسبوعية بتاريخ 17 مايو 1930م.
- ثم نشرت له قصة (إيمان) بالسياسة الأسبوعية 13 سبتمبر سنة 1930 وهي قصة احتوت على نبوءة مبكرة لمصيره الشخصي حيث انتهى (معاوية) نفسه إلى ذات نهاية بطل قصته بعد حوالي إحدى عشر عاما من كتابه القصة فانتهى كبطلهاشاكا مصابا بالجنون في عام  (1941) وهو لا يزال في ريعان شبابه، وكان في أيامه الأخيرة يشك في كل من حوله ويعتقد أنهم يتآمرون عليه وأنهم جواسيس ومخبرين للانجليز. وسنتناول هذه القصة (إيمان) بالدراسة في مقال مستقل.
- من قصصه أيضا (في القطار) التي نشرت بالسياسة الأسبوعية في نوفمبر 1930م 
- وأيضا قصة (المكان) الذي نشرت بجريدة مصر في 11 نوفمبر 1931م0
- ومن قصصه "الموت والقصر" التي نشرت بجريدة مصر بتاريخ (1) يناير 19932م.
- لقد بلغت شفافية معاوية) وعبقريته حد انه رسم صورة دقيقة عن المصير الذي ال إليه فقد سقط (معاوية محمد نور) فريسة لمرض عقلي في سنة (1935) لم توضح أسبابه لكنها قطعا كامنة في الضغوط النفسية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي كان فريسة لها في حياته القصيرة الحافلة أو كما قال احد المهتمين بالسيرة الذاتية لمعاوية "انه لمن المرجح أن اختلال قواه العقلية جاء نتاجا لفشله في أن يوفق بين حياته وهمومه الفكرية وواقع بيئته، فضلا عن انه اصطدم أكثر من مرة بمضايقات  العيش أضف إلى ذلك إحساسه العميق بالاضطهاد لدى السلطات الحاكمة في بلاده"
- ادخل (معاوية) مستشفى الأمراض العقلية بالقاهرة وبقى عدة أسابيع بين ( ناقصي العقول) وهو صاحب (العقل الكبير الوقاد) ولما تحسن بعض الشيء رجع إلى بلاده.
- لفترة من الزمن كان (معاوية) قادرا على الحياة بصورة طبيعية – وقد لوحظ انه كان يحمل (مصحفا) بين ثناية جلبابه، يتلو من آياته البينات وكان يميل خلال هذه الفترة للوحدة والعزلة.
- عرضه أهله على (فكي) عساه يشفيه مما الم به – وكان (الفكي) رجلا دعيا اخذ يعالجه بالأعشاب وتلاوة الطلاسم ثم اخذ يمزق جلده بالسياط زاعما انه يخرج منه الأرواح الشريرة القابعة في جسده، وازدادت حالة (معاوية) سوءا ففقد قواه العقلية تماما وانتقلت روحه إلى بارئها في أواخر عام 1941م
- وبقيت آثار (معاوية) الادبية باقية رغم رحيله تلهم الفرسان جيلا بعد جيل. ويبقى السؤال: رحل (معاوية) بعد أن أسلمه المستعمرون إلى (الجنون) وكذلك رحل (علي عبد اللطيف) في ذات الفترة (1942) بعد أن ظل منذ عام 1937 حتى وفاته 1942 في إحدى مستشفيات الأمراض العقلية "العباسية" بمصر رغم أن الطبيب قرر انه سليم عقله – ومات "التيجاني يوسف بشير "مسلولا ومعزولا يوم 28/7/1937م فهل هي الصدفة وحدها التي وحدت المصير الذي انتهى إليه ثلاثة من ابرز مفكري السودان ومبدعيه وقادته آنذاك !! أم أن هناك أياد خفية تنسج خيوط تلك النهايات المأساوية لتلك الكوكبة النيرة من ذوي الفكر الوقاد؟ انه مجرد سؤال والإجابة متروكة لفطنة القارئ و جهدالمؤرخين.
صلاح الدين سر الختم علي
سبتمبر 2001م
المراجع والمصادر:

1- الأعمال الأدبية لمعاوية محمد نور – دار الخرطوم للطباعة والنشر الطبعة الأولى 1994 – إعداد الأستاذ/رشيد عثمان خالد.
2- القصة الحديثة في السودان د مختار عجوبة من منشورات مركز الدراسات السودانية.
3- التيجاني يوسف بشير /لوحة وإطار / أحمد محمد البدوي – المطبعة الفنية للطبع والنشر والتجليد العباسية.
4- كتاب "علي عبد اللطيف" ترجمة مجدي النعيم – مركز الدراسات السودانية – القاهرة

Friday, August 30, 2013

سيمفونية الموت في الرجل القبرصي للطيب صالح/ صلاح الدين سر الختم على


في قصة الرجل القبرصي للطيب صالح نجد تأملا عميقا في فكرة الموت ومفهومه وفكرة تخاطب الأرواح وتواصلها، فبطل القصة
 وهو راويها يتنزه سائحا في نيقوسيا عاصمة قبرص فيلتقي شخصا غامضا هو رجل قبرصي عمره تجاوز السبعين في أحد الشواطئ، والرجل مع تقدم سنه مفتون بالحياة واللهو والنساء وهو ثري يقول أنه اشتغل كالعبد وكون ثروة والآن يقضي وقته كله في الفراش قائلا ضمن فلسفته التي بشر بها( المرأة تطيل العمر،يجب ان يبدو الرجل أصغر من سنه بعشرين سنة.)فيسأله الراوي: هل تخدع الموت؟فيرد: (ماهو الموت؟ شخص يلقاك صدفة، يجلس معك، كما نجلس الآن، ويتبسط معك في الحديث، ربما عن الطقس أوالنساء أو أسعار الأسهم في سوق المال،ثم يوصلك بأدب الي الباب.يفتح الباب ويشير اليك أن تخرج.بعد ذلك لاتعلم.)
بعد ذلك أشار الرجل الي فتاة كانت الي جوارهم مع أسرتها أشارة بغيضة وتشهاها، فأذ بها تسقط وتشج رأسها وينفض سامر الأسرة السعيدة حزينا،
(وقال الراوي:(فورا قمت من جنب الرجل.وأنا اشعر نحوه بكراهية طاغية
وفجأة حضرت صورة الطاهر ود الرواسي صديق الراوي من الذاكرةوهو يتحدث عن سر نشاطه وحيويته وعدم تأثير الزمن عليه ويعزو ذلك الي العمل بهمة ونشاط
والاستيقاظ الباكر 
ثم تغيب صورة ود الرواسي لتظهر صورة الرجل القبرصي ثانية وهو يعلق علي أمرأة أخري ويتشهاها قائلا أنه مستعد لدفع ثمنها، فيتكرر المشهد ويهرع الناس لأسعاف المرأة التي كانت قبل برهة تضج عافية
ويتشكل الرجل القبرصي في هئية أخري ويلاحق الراوي
ويقول له:أنك موجود اليوم ولن تكون موجود غدا....
بعد ذلك يأوي الراوي الي غرفته
وعند العاشرة مساء تنتابه الام فظيعة
 ودخل في دوامة من الألام
   
: يصف حاله
كنت أغيب عن الوعي ، ثم أفيق ثم أدخل في دوامة رهيبة من الألم والنيران، والوجه المرعب يترآي لي بين الغيبوبة وشبه الوعي، ينط من مقعد الي مقعد،  يختفي ويبن في أنحاء الغرفة.أصوات لا أفهمها تجئ من المجهول، ووجوه لا أعرفها مكشرة قاتمة.ولم تكن لي حيلة، كنت واعيا بطريقة ما 
 
بعد ذلك عاد الراوي الي بيروت وفي مساء يوم عودته جاءه خبر موت أبيه
وأتضح انه مات في ذات توقيت الألام والكوابيس التي اجتاحت الأبن الراوي في قبرص
وبدأت معاناته مع الموت عند العاشرة مساء ورحل عند الفجر وقت أنتهاء كوابيس الأبن في قبرص.
وهكذا نكتشف في الخاتمة ان الرجل القبرصي ليس الا ملك الموت
أو هو الموت نفسه يطرق الباب بلطف ثم يجالس من يجالس ويحدثه في اشياء تتعلق بالحياة
ويفتح له بوابة الرحيل
وفي ختام القصة بات الراوي موقنا ان ملك الموت قد فاضل بينه وبين أبيه وانه أختار أفضلنا حسب تعبير الراوي.
القصة حوار مع الموت
حوار ينساب بشجن غريب
ويذكرنا بحوارات أخري في أدب الطيب صالح مع الموت
مثل ذلك الحوار مع الموت عند حافة قبر مريوم أو مريم شقيقة محجوب التي رحلت باكرا
وكانت محبوبة محيميد
ولن ننسي أبدا كيف شهقت المصابيح عند حافة القبر حين وسدوا جسدها الغض الثري
ولن ننسي شريط الذكريات الذي لمع في ذاكرة محيميد وهم يوارون جسده
 الثري

 )وصوته يقول

دفناها عند المغيب كأننا نغرس نخلة، أو نستودع باطن الأرض سرا عزيزا سوف تتمخض عنه في المستقبل بشكل من الأشكال، محجوب قبل خدها، وأنا قبلت   جبهتهاوكاد الطريفي يهلك من البكاء،حملناها برفق نحن الستة،،ووضعناها علي حافة القبر.أسمع ذلك الصوت الذي ليس مثله صوت يجئيني من بعيد مثل ناي سحري، في غلالة من أضواء الأقمار في ليالي الصيف، تقول وهي تجر عمامتي  من رأسي:
نسكن البندر...سامع..الموية بالانابيب والنور بالكهرباء  والسفر سكة حديد..الله يلعن ود حامد سجم ورماد..فيها المرض والموت ووجع الرأس
أحسست بها خفيفة بين ذراعي وانا انزل بها نحو القبر
(كانت مثل طائر، رفعها محجوب من نعشها، فشهق ضوء المصابيح علي حافة القبر
ويرفض  محيميد فكرة موتها
فيجعلها تقفز منه وتعود الي النهر
ويجعل أشعة الشمس تترك كل شئ وتتعلق بجسدها
 
أنها سيمفونية الحياة عند اعتاب الموت
أنها عظمة الطيب صالح
طبت حيا وميتا ايها الطيب الصالح
 
صلاح سر الختم
نوفمبر 2012
مروي
 
 

Friday, August 23, 2013

فانتازيا المكان/ مظاهر الميثولوجيا في رواية توترات القبطي / الجزء الثالث من الدراسة بقلم صلاح الدين سرالختم على


‏21 أبريل، 2012‏، الساعة ‏11:00 صباحاً‏
دراسة نقدية

  
الجزء الثالث من الدراسة

مظاهر الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى

في هذا المحور من الدراسة نتابع تحليل وتفكيك بنية نص توترات القبطي لامير تاج السر وفق منهجية محددة تبتغي بالاشتغال علي النص الروائي انتاج معرفة بالنص من خلال محاورته والكشف فيه عن مضمره وعن آليات وشروط انتاجه، ومحور الحكايات  الاسطورية أو العجيبة أو العجائبية(الميثولوجيا) محور مهم للتعرف علي النص والتعريف به ، فالنص يعج بالاساطير ومظاهرها وتجلياتها وهي لم تحشد حشدا عشوائيا،كما سنبين، بل لها وظيفة محددة، في هذا المحور من الدراسة.نحاول التعريف بالمصطلح والبحث عن مظاهر وتجليات الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى وبعد ذلك نستعين بالنص الروائى في تتبعنا لتلك التجليات والمظاهر، قاصدين بذلك أبراز منهجية البحث وفروضه وما آلت اليه في الختام.
والميثولوجيا تعنى الاساطير والكرامات والخرافات وكل فكر مناقض للفكر العقلانى ) (1)واذا ارتبطت الميثولوجيا بحياة العوام اساسا الا انها وظفت حتى فى العصر الحديث فى السياسة لدرجة انها شكلت على سبيل المثال لب المشروع الصهيونى الذى تمخض عن تأسيس دولة اسرائيل ، وبرغم إستنادها الى الخيال فهى تنطوى على حقائق تاريخية ثانويةفى طياتها الامر الذى اهلها لتكون احد مصادر علم التاريخ ، ومع انها وليدة تفكير العوام ، فقد عبرت عنه فى  لغات رامزة لها ، وقد اعتبرها البعض نوعا من الفلسفة البدائية تـأسيسا على شمولية رؤاها . لذلك اصبحت موضوعا للبحث والدرس والاستقصاء والتحليل والاستنباط من قبل المؤرخين والفلاسفة وعلماء النفس باعتبارها معرفة غاية فى الثراء والتعقيد ، وبالغة الاهمية فى دلالاتها كابداع جمعى عرفته المجتمعات الانسانية قاطبة طوال تاريخها . وهى تجمع بين المعقول والا معقول ، وبين الواقع والخيال ، وبين الوقائع السلوكية والمثل العليا.
 وتنطوى الميثولوجيا علي بعد ديني، خصوصا ما تعلق ب(الكرامة) التي هي وثيقة الارتباط بالاسطورة، من حيث نشأتهما معا  في مناخ اجتماعي واحد، تبادلا  من خلاله آلية التأثير والتأثر، هذا فضلا عن تمحور كل منهما حول (البطل) ذي القدرات الخارقة التي تتجاوز منطق الواقع وقوانين الزمان والمكان،ليحقق الحلم الجمعي وفق ارادته المطلقة. كما اشتركتا في الطابع الخيالي واللغة الرامزة المقنعة والموحية دون تصريح. وقد تناول ابن خلدون في مقدمته موضوع الكرامات والسحر والشعوذة واعتبرها علما سماه ( علوم السحر والطلسمات). وآمن ميكافيلي بان المنجمين وقراء الطالع استطاعوا التنبؤ بالكوارث الكبري قبل حدوثها.
وتعد السير والملاحم الشعبية أهم ما ابدعه العقل الجمعي والوجدان الشعبي صلة بالتاريخ ، بالرغم مما تنطوي عليه من خيال، اذ تدور حول سير ابطال وملاحم شعوب كان لهم وجود حقيقي في صياغة التاريخ.(2(
1– د . محمود اسماعيل / الاسطغرافيا و الميثولوجيا / رؤية للنشر 2009
2-أرنست كاسيرو/ الدولة والاسطورة/ الترجمة العربية.


الحكاية العجائبيةأوالعجيبةأو الاسطورة  وكيفية بنائها: 
ثمة ارتباك  بين النقاد في استخدام المصطلح لوصف الاسطورة أو الحكاية الخرافية، فبعضهم أستخدم مصطلح الحكاية العجائبية* أوالحكاية العجيبة وبعضهم أستخدم مصطلح (الحكاية العجيبة ) فقط** وبعضهم أستخدم مصطلح الميثولوجيا***، ويفسر الناقد سعد يقطين الحكي العجائبي بانه الخرافي حين يقول:( يقصد بالحكي العجائبي (الخرافي) مختلف الأنماط الحكائية السردية التي تتشكل منها الحكاية العجائبية، العجائبي نمط سردي يمكن ان يحضر في الحكاية العجيبة أو السيرة الشعبية أو الرواية أو افلام الرعب.)****
وتبني الحكاية الخرافية أو العجيبة أو الميثولوجية  من حيث الشكل الهيكلي علي بناء ثلاثي المظهر، حيث تبتدئ بحدوث نقص ما يؤدي الي خروج البطل عن عالمه المألوف الي العالم المجهول.
ويكون ذلك النقص مرضا أو حادثا أو مسخا......الخ.
ثم تبني الحكاية العجيبة علي الفعل الخارق للبطل كرد فعل علي النقص، وتستند علي تركيب سردي يقوم علي المصادفة التي لاتنتقص من قيمة البناء الداخلي للحكاية بقدر ما تدفع الاحداث المتراكمة الي تحقيق الوحدة الملحمية المثالية، مثال ذلك مصادفة ان الغول الذي ينام عاما كاملا في سيرة فاطمة السمحة كان نائما عند حضور أبني عمها حسن وحسين لتحريرها من أسره.
وتقوم الحكاية العجيبة علي تكرار بعض الوحدات الدلالية، الضرر ورفع الضرر، لتبرز قانون التناقض بين القيم الانسانية: الشجاعة والجبن/ التسامح والغيرة/ القناعة والطمع.
أن موضوع رواية(توترات القبطي) بطبيعته موضوع تحفه الأساطير التي ظلت ترافق سيرة الثورة المهدية علي طول الطريق منذ ان كانت نطفة في رحم التاريخ حتي اشتعالها وصيرورتها واقعا وانتصارها وخبو جذوتها وانكسارها وهزيمتها،وحتي بعد ان باتت في ذمة التاريخ، فظلت الأساطير والخرافات تطاردها وتلاحق سيرتها وسيرة ابطالها وقائدها.وأختلطت بعض أكاذيب الحرب النفسية وتزوير التاريخ لخصومها بتلك الاساطير.لذلك فأن الشئ الطبيعي أن يجئ أي نص أدبي يتكئ عليها ويتخذ منها أو من مسرح أحداثها موضوعا له، حافلا

*د سعيد يقطين/السرد العربي/ دار رؤية/2012 .يمثل هذا الاتجاه.
**د سعاد مسكين/ خزانة شهر زاد الأنواع السردية في الف ليلة وليلة/ دار رؤية/   استخدمت هذا المصطلح فقط.
*** د محمود اسماعيل/ الاسطغرافيا والميثولوجيا/ دار رؤية.
****سعد يقطين / الكلام والخبر/ مقدمة للسرد العربي .

بالأساطير هو الآخر، والا  حكم علي نفسه بالموت وفقد قدرته علي الأيهام بواقعيته.فالأسطورة أذا موظفة في رواية (توترات القبطي) توظيفا محكما وتمثل استجابة واعية لشرط من شروط الكتابة الروائية ، وليست ترفا أو استعراضا لعضلات الكاتب، أو شيئا مقحما علي النص من خارجه. نتتبع مظاهر الميثولوجيا في الرواية من داخلها لشرح الأطار النظري عمليا وتبيين مدي مقدرة الرواية ومبدعها علي الاستجابة للأطار النظري.
أولا/شخصية المتقي والتجليات الصوفية
حرص الكاتب حرصا ظاهرا علي ابراز شخصية المتقي قائد الثورة كشخصية أسطورية بحتة،فعلي أمتداد الرواية  لم يبرز المتقي بشخصه في أي مشهد، بل ظل دوما مفهوما وصورة متجلية في ذهن أتباعه وصوتا يأتي من المجهول ليدغدغ مشاعرهم ويلهبها، وظل دوما محورا للحكايات، حتي بالنسبة لمقهور الذي ادعي بنوته له، المتقي ليس أبا عاديا، بل هو صورة ورؤيا وحلم،وهذا التصوير يقارب المفهوم الصوفي للمهدي المنتظر، وقد ظهر التصوف منذ عصر صدر الاسلام متخذا صورة الزهد في الدنيا وترفها، والأمعان في التطهر والنسك والمبالغة في العبادة كرد فعل للأسراف في التمتع بالمباهج الحسية علي إثر الفتوحات الأسلامية وما أسفر عنها من نزعات دنيوية. وخلال القرن الثالث الهجري ،تحول الزهد المتطور الي عقيدة فلسفية تقول بوحدة الوجد وتجعل من الذوق أداة للمعرفة بدلا من العقل عند علماء الكلام والنص عند الفقهاء. وبفضل الحلاج تحول التصوف الي مفهوم ثوري أسلامي يستهدف مواجهة الظلم وتحقيق العدالة. وخلال القرن السادس ظهرت الفرق الصوفية وجندت المريدين والاتباع علي نطاق واسع. وعلي الرغم من انطلاق التصوف من الأسلام إلا انه تحول الي فلكلور في عصور انحطاط الحضارة العربية الاسلامية، فغص بالخرافات والشعوذة والأسراف في تقدير الأولياء الي حد التقديس.
نقتبس من نص التوترات:(و الأسئلة تنكتب في كل ذهن..لماذا لايظهر المتقي لأحبابه علنا، ولماذا يستعرضهم من بين الشقوق، ويجلدهم بالصوت من خلف خيمة، ولايمنحهم نوره الذي يودون أن يمسكوا به)*
(الكارور يفح معلنا بداية خطبة الإمام المتقي، وتحول الجميع الي أذن واحدة تود أن تمتص، وترتبط بذلك الحبل المبارك.)*
ويصر الراوي علي وصف صوت المتقي بأنه حبل وليس صوتا بشريا:( لم يكن صوتا كصوتي ولاصوت أبي ايام كان يملك صوتا، ولاصوت الأمير عبادي طلسم، ولا أي صوت آخر أستمعت اليه في حياتي كلها، كان حبلا غزير الأمتار، شدنا من أعماقنا، ومرغنا في التراب، شدنا من ثيابنا وعرانا، شدنا من رئات التنفس ، ولهث بنا، ورأيت المجندين وقد ترنحوا بلا مرؤة، والمعسكر الكبير، مجرد علبة من علب الصفيح، يتلاعب بها موج بحر هادر.)*
*توترات القبطي / ص154
عندما يصير الصوت حبلا يشد الناس فان صاحب الحبل يصبح أسطورة خارقة وليس أنسانا من لحم ودم
وهكذا يرتفع الراوي بالمتقي الي مصاف الأسطورةويجعل منه شئيا هلاميا غامضا
ويورد الراوي تفسير المتقي لعدم ظهوره لاتباعه فنجد تفسيرا صوفيا بحتا مفاده اتباعه للرؤيا:
(لا نضن عليكم بوجهنا طوعا يا أحباب... ولكن نتبع الرؤيا...نتبع الأمر...حتي يعم الخير..)*
ولايجب ان يغيب عن ذهن من يقرأ وصف المتقي ان  الراوي هو عدو المتقي الذي يروي عنه، لذلك يجب ألا نتقبل كل صورة ووصف، بل ندقق فيما هو كامن من سم في الدسم. ولكن اللافت للنظر ان الكاتب اختار عامدا استبدال اسم المهدي باسم المتقي وفعل الشئ نفسه باسماء الأمكنة والشخوص في الرواية عامدا تحرير الرواية من قيود التاريخ وضيقه ليتثني للرواية محاورة التاريخ بحرية.
ان الكاتب يرسم صورة أسطورية لقائد الثورة عمدا حتي يحقق للنص ثراءه ويصبح للمغزي ظلال تشي به دون بوح ودون مصادرة لخيال القارئ الفسيح.
أسطورة الصبي مقهور المنصورأبن الحلم
وتحتوي الرواية علي أسطورة أخري تشكل أمتدادا لأسطورة المتقي، هي أسطورة الصبي مقهور الذي كان جنديا عاديا في كتيبة من كتائب الثوار، وفجأة أخذ يعلن انه ابن المتقي استنادا علي رؤيا  حضرته ، فهو ابن الحلم المشترك وليس ابنا صلبيا مثل سائر بني البشر والمقصود هنا تكثيف ظلال أسطورة المتقي نفسه بهذه الكرامة من كراماته، ترد السيرة هكذا:( في سرية حاملي القوس والنبال، صبي ذو وجه طفولي مليح، لم يكن يعرف أحد من أين جاء، ولا دلت ملامحه الطفولية المليحة، عن قبيلته ينتمي اليها، وقد تردد همسا وسط جنود الكتيبة، ان مقهور حلم مرات عدة، بأنه ابن منسي للامام المتقي، ولد وتربي بعيدا عنه، وقد اخبره الحلم بانه سيجتمع بأبيه في أحد الايام.)**
يكون رد السلطة الزمنية ممثلة في قواد الكتيبة هو القبض علي الصبي وتعذيبه لاجباره علي الكف عن الهذيان، ويكف الصبي عن الهذيان مؤقتا ثم يقتل حارسا ويهرب، وبعد فترة من الزمن يعلنه المتقي قائدا للجيش محققا بذلك حلمه ومؤكدا مصداقيته ومصداقية الرؤيا التي أدعاها.وهكذا تكتمل الصورة الأسطورية بكرامة من الكرامات.دلالة الاسم مقهور الذي بات منصورا دلالة عميقة تضاف الي جملة المفارقات التي اعتمدها الكاتب في كتابة النص بأكمله.

*توترات القبطي 154
**توترات القبطي 155


ملامح أخري للأسطورة في الرواية
تشابه مصير أنسان وجواد
هناك ملامح أخري لتجليات الأسطورة في الرواية من خلال مقارنة صامتة بين مصير جواد وأنسان هما ميخائيل بك (الراوي) و(مصبح )حواد الحاكم التركي الهالك،  قصة جواد القائد التركي يوسف دامير الذي قتله الثوار في معركة تحرير مدينة السور التي كانت مقرا له،ترد  في الرواية في ص 162 حين يكتشف ميخائيل بك الذي صار اسيرا اسمه سعد المبروك وهو يهئ حصان سيده الجديد القائد عبادي طلسم الحمال السابق، ان ذلك الحصان هو ذاته (مصبح) جواد سيده السابق التركي يوسف دامير حاكم مدينة السور.يقول الراوي لحظة الاكتشاف:(تعرفت علي الجواد، وتعرف علي، وبكينا في صمت..انا اخون دمي الجديد، وأبكي بالدم النصراني القديم ، والجواد يخون اسراجه لحمل الجهادي، ويحن لسيده الذي رحل)*
فالجواد وقع في الأسر مثله مثل ميخائيل وانتقلت ملكيته لممثل السلطة الجديدة
،وهو القائد عبادي طلسم
و هذه صورة أخري 
 بها مفارقة  ولاتخلو من سخرية مريرةو
البعد الجمالي الاخر للنص انه يمكن القارئ من الوقوف علي طبيعة ميخائيل المراوغة المنافقة ودخيلته المملؤة حقدا علي ثورة
سحقت سلطته التي يدين بالوفاء لها ويكتمه.
حكاية الطفل الصيني الذي ولد بحي ونسة
في الرواية ملمح آخر للاسطورة ممثلا في قصة طفل صيني الملامح ولد في حي ونسة الفقير الكائن باطراف مدينة السور والذي تنشط به بيوت البغاء العلنية:( في تلك البقعة، ولد طفل صيني، لايعرف أحد من أبوه، ولم يدخل السور منذ انشائها صيني قط، ولا استطاع أحد تفسير تلك الملامح، شك علماء الدين في كونه المسيح الدجال الذي يظهر عند نهاية الدنيا، ووزعوا الاضطراب في خطب المساجد، وفي النهاية سموه الغريب.)**
وفي هذه الحكاية أشارة تربط المتقي بفكرة المسيح الدجال بلا شك. وهي أشارة مقصودة فالسلطة الآفلة ممثلة في مخائيل بك لاتريد ان تقبل بالتفسير البسيط المباشر لاسباب نجاح ثورة( المتقي) عليها وهو كونها سلطة استعمارية نهبت خيرات البلاد وطمست هويتها وأرهقت كاهل أهلها بالضرائب، وتريد السلطة المهزومة اللجوء الي تفسيرات غيبية للظواهر الاجتماعية، انكارا للثابت والحقيقي والظاهر.

*التوترات /ص 162
**التوترات ص 166
وهناك تجليات أخري كثيرة للاسطوري في الرواية منها اعتقاد الناس بان صديد جرح الجندي الذي جرحه الصبي مقهور يشفي المرضي ويحقق المعجزات فيتهافتون علي ذلك الصديد ويروجون قصصا خيالية عنه، ومن ذلك الشحصية الأسطورية (ضو القناديل) التي تسترت خلفها (نديمة مشغول) التي صعدت بها من حضيض صاحبة مقهي للملذات الي صورة زاهية لمجاهدة تروي حولها الروايات وويرصد بعد ذلك تحولها في نظر الثوار زنديقة تستحق الموت عند اكتشاف ماضيها ثم ارتفاعها الي مرتبة الشهيدة بعد اعلان المتقي ذلك وعدم جواز محاكمتها بماضيها. ومن مظاهر الأساطير ذلك العطر المسمي ريح الجنة الذي يتداوله اتباع المتقي معتقدين في ذلك. وهناك أسطورة النعناعة (خميلة جماري) سابقا التي باتت وعاء ناقلا لمرض عجيب فتك بعبادي طلسم ثم أصابت جرثومته الراوي ميخائيل بك نفسه في الخاتمة.
وهكذا نجد الرواية محاطة من كل الاتجاهات بالعناصر الأسطورية  ووقائع التاريخ الحقيقي المحور داخل النص ليخدم  النص ويحقق أهدافه، والرواية بذلك تتماهي مع موضوعها الذي أختارته ويلتحم متخيلها مع واقعها المحور بحيث يصعب فض الاشتباك وهو ما اراده الكاتب. لكن سفره في التاريخ والاسطورة والخيال لم يكن سفرا بلا غاية ولاهدف بل كان سفرا لاعادة قراءة التاريخ والحاضر وهو تاريخ ممتد في مستقبل بات حاضرا وسيمسي تاريخا في قريب عاجل.أن اختيار الكاتب لشخصية الراوي ميخائيل بك وتسليمه دفة السرد من بداية الرواية حتي ختامها لم يأت اعتباطا، بل هو أمر مقصود، فشخصية ميخائيل بك شخصية كاركتيرية، وقد أعتمد الكاتب المفارقة في السرد المروي بلسانها، لذلك فان من يصدق كل ما تقوله هذه الشخصية تغيب عنه رسالة النص الجمالية والمعرفية، فالجلاد لايصلح شاهدا علي الضحية، والخصم لايصلح حكما،ولايصلح راوية للتاريخ، لان روايته للتاريخ ، مهما حاول ان يكون منصفا هي شهادة بعين واحدة وصوت واحد عن حدث متعدد الجوانب والشخوص والسير والأحداث.
 صلاح الدين سر الختم علي
القاهرة 22/4/2012

أمير تاج السر ومغازلة التاريخ و فانتازيا المكان في( توترات القبطي) صلاح الدين سرالختم علي !/2




الجزء الأول

مقدمة: هذه محاولة لاستنطاق سطور رواية امير تاج السر (توترات القبطي)وقراءة المضمر فيهاوهي محاولة لاتدعي الاحاطة بكل مفاتيح العمل الروائي ، بل تؤمن بان كثيرا من هذه المفاتيح يبقي مفتوحا علي أكثر من قراءة وتأويل، لكننا حاولنا ان نستنطق بعض زوايا وظلال النص بغية المساعدة في قراءة مستضئية بادواتها للنص.وقد اخترت محورين لمقاربة النص/ محور دلالة المكان في الرواية، ومحور فانتازيا التاريخ في الرواية التي أعلن كاتبها صراحة أنه لايكتب تاريخا. واظن ان منجز أمير تاج السر في هذا السفر الرائع وثيق الصلة بهذين المحورين عطفا
علي الموضوع أو بالأصح جملة القضايا التي عالجتها الرواية معالجة فنية رفيعة المستوي.
وقد أضفت محورا ثالثا أقتضته ضرورة تفكيك النص وهو محور الميثولجيا في الرواية
حيث أنه محور مهم لفهم تقنية السرد وأسلوب الكاتب
أولا: المحور الأول
دلالات المكان في رواية توترات القبطي:

المكان فى الرواية ليس مكانا جغرافيا ثابتا فى المكان والزمان ، بل هو صراع متجدد فى زمانه ومكانه ، صراع ضارى يجعل المكان فى حالة تبدل دائم كنتيجة طبيعية للصراع الطاحن الذى يجرى فوق ارضه ويحدد مصير الكائنات فيه موتا وولادة وتحولات هادئة حينا وصاخبة حينا اخر .
المكان الرئيس فى الرواية هو مدينة السور باحيائها الثرية والفقيرة ذات الدلالات التى لا تخفى على احد ، فالإحياء الراقية لها اسماء اجنبية مثل (كاهير) و (لونا وراجيف) والتى يقيم فيها اليهود والاغاريق والهنود وهذه التشكيلة السكانية الاجنبية هى دلالة اخرى على ما يجرى فى المكان ، وفى المقابل هنالك احياء فقيرة تحمل اسماء وطنية مثل (كف عفريت) و (ارض الكوثر) و (آل حسان) و (الموارد ) و (ونسه ) ، ودلالات الاسماء هنا أيضا تستوجب التوقف عندها،والتركيبة السكانية لهذه الاحياء هى من السكان المحليين (اهل البلد) ومعظمهم فقراء وهناك استثناءات نادرة منها ذلك المصرى الذى يمارس مهنة تعليم علم يسمى علم (الانحطاط) ولعل المقصود هنا علم الثورة حيث ان من يطلق  تلك التسمية هم الاجانب المستعمرين وهنالك إستثناء اخر وهو القواد (ولهان الخمرى) وفتياته الاجنبيات بائعات الهوى للسكان المحليين بترخيص السلطة الاستعمارية فالمعلم اداة تنوير والقواد اداة تخدير يتصارعان وسط القاعدة السكانية التى اختارت الثورة فيما بعد وهذه المفارقة هي من ضمن أساليب السرد الموجودة بالرواية.
وحتى تكتمل ملامح المكان الروائى نجد انه يوجد بمدينة السور نادى ارستقراطى يحمل اسما اجنبيا هو (يوتوبيا )يؤمه سكان الاحياء الراقية ومعظمهم من الاجانب ورجال السلطة الاستعمارية ومن بينهم بطل الرواية القبطى (ميخائيل ) متحصل الضرائب ورجل المهام السرية للحاكم الاجنبى . وهنالك مقهى يحمل اسم (خزى العين) تديره امرأى اجنبية تركية الاصل تسمى (نديمة مشغول) والمقهى إمتداد اخر لمسرات الاجانب ورجال الطبقة الحاكمة . وبالمدينة شخصيات عديدة تلقى ضوءا على المكان والصراع الذى يجرى فيه منها تاجر الذهب اليهودى (عوزى ايزاك) وتاجر الذرة القبطى (منون خمارى) والحاكم التركى (يوسف دامير) المنغمس فى ممارسة الرذيلة فى مكان خاص من المدينة ، وهنالك شخصيات من العالم الاخر فى المدينة(الطبقات المسحوقة) منها الحمال (عبادى طسم) والفراش (التقلاوى ديدام) وهاتان الشخصيتان صارتا فيما بعد من القادة العسكريين والسياسيين لحركة الثوار الوطنية المسماة ثورة المتقى وبات (ميخائيل) الذى كان يوما سيدا لهما خادما لهما نزعت هويته وصار اسمه (سعد المبروك) بعد انتصار الثورة ، وهنالك ايضا جماعة سرية معارضة تتحرك فى مسرح المكان تحت اسم الذكرى والتاريخ .  هذه ملامح عامة لمسرح الاحداث (المكان) كما رسمها الروائى المبدع امير تاج السر بدقة وصبر مستعينا بمخزونه المعرفى وإستنطاقه لوقائع التاريخ الحقيقية معملا فيها مبضعا يحاكى مبضع الجراح – متأثرا ربما بخلفيته المهنية كطبيب – يدرك قواعد علم التشريح ووظائف الاعضاء – ومستخدما فى الوقت نفسه كل خبراته وقدراته الفنية وملكاته الابداعية ليحيل الوقائع الجامدة الى احداث وصراع حى يجرى امام بصر وسمع القارىء والمتلقى الذى يجد نفسه متورطا بشكل او بأخر فيما يجرى امامه من احداث ويغيب صوت الراوى وشخص الكاتب من المسرح تماما ليجد القارىء نفسه أمام بانوراما حية تحاكى تلك البانوراما الروسية الموجودة بمتحف القائد الروسى (كتوزوف) الذى قهر نابليون والتى يؤمها الزوار من كل انحاء العالم وانحاء روسيا لمشاهدة تجسيد حى للتاريخ . وهذا تمثيل مع الفارق ، ويتجلي
الفارق في ان الداخل الى تلك البانوراما يدرك منذ الوهلة الاولى انه لا يلج عالما حقيقيا بل محاكاة له ،ولكن من يلج نص امير تاج السر الروائى لا ينتابه ابدا مثل هذا الاحساس حتى بعد انتهائه من قراءة العمل يبقى مسكونا بذلك المتخيل الروائى الملحمى الذى تكاد تلامس فيه الشخوص والأمكنة المتخيلة بيدك ،وهذا وجه من وجوه عبقرية امير تاج السر وهو انه استطاع ان يخرج التاريخ من المتاحف واسر الكتب والرواة وجعله شخوصا تمشى وتتحرك بحرية وصراعا كان تفجره حتميا بين عالمين متناقضين يشغلان مكانا واحدا فى زمان واحد ، عالما مكونا من السلطة الاجنبية الحاكمة فى مدينة السور (المتخيل الروائى) المطابق لمدينة (الابيض) السودانية او فلنقل للسودان كله . وتوابع تلك السلطة الاجنبية من عناصر داخلية وخارجية موجودة فى المكان او مقحمة فيه وكل ما تمثله تلك التوابع من محاولات لطمس هوية المكان وشاغليه الاصليين ، بدءا بابتداع اسماء اجنبية للأحياء الراقية وما تحمله تلك الاسماء من مضامين ثقافية وتاريخية وأيدلوجية ، مرورا بتشجيع ونشر انشطة مثل تجارة الخمور والدعارة العلنية المرخص لها من قبل السلطة الاجنبية وما تمثله تلك الانشطة والممارسات من تصادم مع معتقدات شاغلى المكان الاصليين ، وهكذا يبرز المكان كأنه شخص من شخوص الرواية حاملا اسما روائيا معبرا عنه وهو اسم السور ، فالسور هو الحد الفاصل بين قوتين متصارعتين ، قوة داخل السور وهى سلطة الدولة الاجنبية وقوة موجودة داخل السور وخارجه وهى متمردة على تلك السلطة المهيمنة داخل السور ، اذا ملامح المكان تفصح  عن مكان يعج  بمحاولات لطمس هويته وإخضاعه ولكنه يقاوم وتتمثل ادوات مقاومته الداخلية فى جمعية (الذكرى والتاريخ) ، بينما تلوح فى الافق بوادر الثورة خارج المكان فى قرية تسمى (اباخيت) تقع على شاطىء النيل او تخوم الصحراء وهى التى شهدت مولد قائد ثورة (الغوغاء) حسب وصف (ميخائيل) ممثل السلطة الاستعمارية لثورة (المتقى) وهنا اشارة واضحة للثورة المهدية التى وصفها المستعمرون بأنها ثورة الرعاع ، تهب رياح تلك الثورة حتى تبلغ مدينة (السور) وتحاصرها وتسقطها وتحررها من السلطة الاستعمارية وتكون المفاجأة ان قادة الثورة الجديدة خرجوا من الاحياء الفقيرة والعمال البسطاء مثل الحمال والفراش .
ان المشهد الافتتاحى للرواية يصور ببراعة عمليات طمس الهوية التى تجرى للمكان وشاغليه ويعود الكاتب بعد انتصار ثورة السكان المحليين ليكشف عن رد الفعل الواعى وغير الواعى للثوار فى مواجهة ذلك الطمس للهوية الذى جرى فى الماضى ، ويتجلى رد الفعل فى اصرار الثوار على تبديل هوية الحكام السابقين واذنابهم الذين وقعوا فى الاسر ومدينة السور باكملها الى (الاصل) الذى يعتقدونه ، فيجرى طمس هوية ميخائيل جابى الضرائب القبطى المسيحى وذلك بالقيام باجراء عملية ختان له على الطريقة الاسلامية وتغيير اسمه الى سعد المبروك واكراهه على اعتناق الاسلام واداء الصلاة وايضا طمس هويته الاجتماعية بإحالته من مسئول كبير بالمدينة الى خادم وضيع مهمته الطبخ للحمال السابق الذى بات قائدا من قواد الثورة . وهذا المصير الذى لاقاه ميخائيل لم يسلم منه جميع ممثلى السلطة السابقة الذين وقعوا فى قبضة الثوار فيما عدا نماذج نادرة اخفت هويتها الاصلية واخترعت هوية جديدة تتماشى مع مفاهيم الثوار مثل (نديمة مشغول) صاحبة مقهى (خزى العيون) التى تقمصت شخصية جديدة وسمت نفسها (ضوء القناديل )وباتت من المجاهدات قائدات ثورة النساء ولكن حين انكشف امرها لاقت مصيرا مفجعا . وفى هذا الجزء والملمح من الرواية يقارب الكاتب مسألة التطرف من منظور جديد يقول بأن التطرف ليس صنيعة الشعوب المقهورة بل هو صنيعة الغزاة الفاتحين الذين سعوا الى طمس هوية الشعوب التى استعمروها وإحلال هويتهم مكانها فكان رد فعل الشعوب المستعمرة الطبيعى هو التمسك بهويتها ومحاولة فرضها على من حاول فرض هويته عليها عملا بمبدأ المعاملة بالمثل والحكمة التى تقول ان الدوائر تدور على الباغى وان البادى اظلم . وهذا يقودنا الى ملمح مهم اخر فى الرواية وهو كونها مكتوبة من وجهة نظر المهزوم وهو هنا (ميخائيل بك) ولا يمكن بأى حال ان تكون نظرة هذا المهزوم الى الثورة التى اطاحت بسلطته وجعلتها هشيما تذروه الرياح نظرة رضى او قبول، لذلك فان اى نقد للرواية ينطلق من كونها لم تنصف الثورة المهدية وثوارها هو نقد يتجاهل هذه الملاحظةالمهمة التى اوردناها ويتجاهل حقيقة اخرى وهى اننا امام رواية تروى ولسنا فى حصة مدرسية للتاريخ . شيء اخر ان النظرة الرومانسية للتاريخ تلك النظرة التى تعرض وجها واحدا للتاريخ وللشخصيات التاريخية من باب الاستحسان والرضي أو الاستقباح والرفض هى نظرة لا مجال لولوجها فى عالم الرواية لان الحقيقة تاريخية او غير تاريخية لها الف وجه فى عالم الرواية .التاريخ فى الرواية يكف عن كونه تاريخا ويمسى نصا نقديا ساحرا يقاربه الروائى من كل الزوايا ويرويه بكل الاصوات وعلى حسب تموضع الراوى فى الرواية وأحداثها التى تروى .
مقارنة بين بطل الرواية ومصطفي سعيد بطل موسم الهجرة
في موسم الهجرة كان مصطفي سعيد ممثلا للمهزوم المنسحق وهو يجول في أرض المنتصر  حرا في الظاهر لكنه في الحقيقةأسير يجول حاملا أحساسه بالهزيمة واليتم ومحاولا التمرد علي الوضع الذي وجد نفسه فيه نملة تطأها اقدام فيل وفاقم من تأزمه تلك الرغبة في الثأر بشكل ما من المنتصر،أما بطل توترات القبطي فهو مهزوم آخر ينسحق و يعاني أسرا حقيقيا وعملية غسيل لمخه وهويته  ولكنه مع ذلك لديه أحساس بالتفوق علي (جلاديه ) _حسب وجهة نظره _وهو يشعر أن وضعه طارئ ومؤقت وهو بشكل أو آخر جزء من المنتصرين علي بطل موسم الهجرة  عند الطيب صالح ، وهكذا نلحظ ان بطل الموسم يشعر بالضآلة أمام الحضارة الغربية المنتصرة عليه حتي بعد تحرر بلاده من استعمارها، بينما ينظر مخائيل الي الثوار نظرة ملؤها الاحساس بالتفوق والتعالي ،ويجب ان نأخذ في الاعتبار انه حسب المتخيل الروائي فان احداث موسم الهجرة حدثت بعد هزيمة الثورة المهدية وسحق ثوارها وسيطرة المستعمر من جديد علي السودان وتقع الاحداث خلال الحكم الاستعماري و بعد تحرر السودان واستقلاله، بينما تدور احداث رواية امير تاج السر في فترة الاستعمار الاولي قبل الثورة المهدية وأثنائها بينما كان مسرح رواية الطيب صالح هو لندن وشمال السودان كان مسرح احداث رواية امير تاج السر هو مدينة الابيض في اقليم كردفان والتي شهدت نهوض الثورة المهدية واقوي انتصاراتها التي عجلت بنجاحها ، وقد حور الكاتب اسم الابيض في الرواية عمدا الي اسم السور وابقي علي اهم معالمها القديمة سوق ابو جهل كما هو كأشارة دالة عليها، وقد فعل الكاتب ذلك في يقيني عامدا لينفي وصف التاريخ عن عمله ويؤكد علي سمته الروائية حتي لايعتقل النص في تأويلات ساذجة وفجة تفسد متعة قراءته ومتعة المتخيل الروائي فيه ، فالنص وان تفيأ ظلال التاريخ واتكأ عليها ، فانه بحق لم يكن تأريخا او حشدا لوقائع تاريخية أو تقييما للثورة المهدية كما يظن القارئ غير المتعمق والناقد المتسرع في اطلاق الأحكام، النص هو نص روائي وظف التاريخ وظلاله لخدمة المتخيل وخدمة المغزي وهو بهذا الفهم ليس رواية تاريخية كما قد يتبادر للذهن لكنه رواية تمازج فيها الواقعي المحور لخدمة النص الروائي مع المتخيل الروائي لينفتحا علي خيال القارئ حيثما كان في فضاء طليق لاتحده صرامة البحث العلمي او مصداقية مرجوة في مؤرخ يستنطق التاريخ ويؤوله، بل يحلق النص في فضاء الرواية الفسيح عصفورا طليقا من كل قيد ناهلا من كل فانتازيا وخيال موجود في الواقع وخارجه مقاربا لموضوعه من زوايا شديدة الاتساع والدقة في آن واحد،فالبطل ليس شخصا عاديا وليس ممثلا لفئة عرقية أو دينية كما قد يبدو للوهلة الأولي، بل هو ممثل لطبقة شكلت جزءا اصيلا من تركيبة الحكم التركي المصري الاستعماري للسودان الذي ثارت عليه وعليها الثورة المهدية،وهو) ميخائيل بك (او )ميخائيل رجائي رشدي السحالي( وهو قبطي سوداني بالميلاد(ولد في مدينة السور التي تقع غرب البلاد، ) حسب قوله( التي كانت في يوم من الايام مدينتي التي ولدت فيها، عشت فيها سنوات الخصب كلها، وفقدتها) ص 13
لاحظوا المفارقة هنا في استخدام وصف الخصب كوصف لفترة الاستعمار ، كانت سنوات خصب فعلا بالنسبة للراوي مخائيل بك متحصل الضرائب ولكنها سنوات بؤوس وشقاء وذل بالنسبة للوطنيين الذين ثاروا ضد ظلم الحكم الاستعماري، التعبير هنا عبارة عن كاريكتير ساخر،ولاحظوا تعبير( فقدتها)الذي استخدمه مخائيل، فالاستقلال الذي هو نصر للثوار هو فقد وخسارة للمستعمر
الطمس للهوية والطمس المضاد
وحين سقطت المدينة في يد الثوار الذين يتزعمهم( المتقي) والاشارة هنا للثورة المهدية كان نصيب مخائيل
الوقوع في الأسر والتعرض لعملية محاولة محو هويته الدينية والثقافية ابتداء من تغيير اسمه الي سعد المبروك مرورا بختانه وتغيير ديانته دون رضاءه يقول ميخائيل الذي صار سعد:(هو الذي انتقاني بنفسه من زمرة اذلاء المدينة كلها، حين سقطت بعد ثلاثة اشهر من الحصار المر، وعرض سكانها من اليهود والنصاري وهنود البنيان، وكل من صنف عاصيا أو ذيلا للكفر والإلحاد في وسط السوق الكبير، ليركلهم أو يشتمهم أو يمتطي لحم نسائهم السبايا من اراد، هو الذي اشرف علي ختاني الصعب الذي مت فيه وحييت، دربني علي شعائر الدين الجديد، وترديد الهتافات والتكبير، سماني سعد المبروك دون علمي أو رضائي، ملغيا اسم ميخائيل الذي عمدت به.) ص13
هكذا يبين من السطور الأولي للرواية ان هناك طمسا لهوية مهزوم يجري وأن الحدث المروي يروي من وجهة نظر المهزوم الذي تموضع داخل الرواية كراوي ، ومن الطبيعي ان تروي الرواية من وجهة نظره للأشياء، وهذه نقطة مهمة جدا، ففي كتابة التاريخ يحاسب الكاتب علي الرؤي والمواقف والمواقع التي يكتب منها التاريخ، ولكن كتابة الرواية عمل له تقنيات وقوانين تختلف كل الاختلاف عن كتابة التاريخ، فالرواي ليس مطلوبا منه ان يتفق تصوره وموقفه مما هو مروي مع رؤية وموقف القارئ أو الكاتب، بل المطلوب من الكاتب ان يعمل صرامة فنية محكمة علي نصه فاصلا بين ما يعتقده وما يراه هو وبين ما يعبر عنه شخوصه حسب موقع كل شخص وتكوينه والمؤثرات علي مواقفه ورؤيته، لهذا يبدو تحذير الكاتب في مدخل الرواية مفهوما ومعبرا عن أدراكه أمكان حدوث الالتباس لدي بعض القراء والنقاد ،فهذا النص نص مخادع لايكتب التاريخ فعلا، لكنه يتخذ منه مادة خام للعمل الروائي، ويدخل عليها  الكاتب معالجاته لتصبح أحداثا تضج بالحياة وظلال التاريخ وتتواتر متلاحقة ممسكة بعضها بتلابيب البعض لاهثة متوترة، فالنص ليس خيالا محضا، ولكنه ليس كتابة تاريخية تتحري الوقائع وتستقصيها وتنقحها وتحشد المصادر وتستنطق الرواة والأمكنة، بل علي العكس من ذلك يحرر الكاتب نصه من كل قيود وقواعد كتابة التاريخ ويحشد المتخيل والأسطوري ويعجنه مع وقائع التاريخ في عجينة واحدة يستحيل التفرقة فيما بعد بين الواقعي المدقق المحقق وبين المتخيل والأسطوري الذي انبت للنص أجنحة حلقت به من سراديب التاريخ المظلمة ووقائعه غير القابلة للتحوير الي فضاء السرد الطليق بحيث بات عسيرا التفرقة بين الاجزاء المكونة للحدث المروي. يكف الحدث عن كونه تاريخا يروي، ويتحول الي دراما رفيعة المستوي تتصارع فيها مصائر الشخوص وتذوب الحدود الفاصلة بينها علي مسرح الحياةوتتعري علنا.وتترك للقارئ حرية الاندماج فيما يروي واختيار موقعه في النص فاعلا أو متفاعلا أو مفعول به هو في حقيقته فاعل بشكل أو آخر، مثلما أن الفاعل مفعول به بشكل أو آخر، لذلك جاءت الرواية مشحونة بالإحداث والمفاجآت المتلاحقة غير المتوقعة، وكفت تماما عن ان تكون وقائع  محنطةحدثت في ماض ما ، وباتت أحداثا تجري بسرعة مذهلة يعجز الراوي عن ملاحقتها وهي تتنقل بين الأمكنة والشخوص في خفة وانسيابية مذهلة. وتلك هي عبقرية الكاتب الذي مزج بين عدة فنون وعلوم ليخرج منجزا روائيا فريدا عصيا علي التكرار.ولعله يجدر بنا التوقف عند ملاحظة مهمة في بناء الرواية وهو كونها مروية بضمير المتكلم وعلي لسان راو وحيد علي أمتداد الرواية وهو ما يعرف بالراوي العليم والذي قال عنه بعضهم :(الراوي العليم بكل شئ، الموجود في كل مكان في نفس الوقت، الذي يرمق في اللحظة ذاتها الاشياء يمنةويسرة معا، ويري باطن وظاهر الاشخاص،لايمكن ان يكون سوي آله.)* ، ولكن الكاتب استطاع ببراعة التغطية علي عيوب الاعتماد علي راو عليم عن طريق قدرته الفائقة علي استخدام تقنيةمنظور الشخصيات المتعددة المتراكبة، وهي تقنية معروفة في الرواية العالمية وهي تسمح بتقديم أحداث متعددة المستويات. وتتحقق تلك التقنية بتوافر شرط وحيد وهو أن يستقل المؤلف من وظيفة الراوي ومعني ذلك :(أنه_أي الكاتب_ لايقول، بل يجعل شخصياته في السرد والحوار معا هي التي تقول، وهذا ليس أمرا هينا،)** وعن طريق قول الشخصيات الصريح بالقول و المضمربالأفعال والمواقف الدالة يصبح  السرد مشتركا بالرغم من وجود راو واحد. وهذه هي التقنية التي اتبعها أمير تاج السر في منجزه موضوع البحث. وقد اعتمد كذلك علي المفارقةوهي في تعريف النقاد( أن تقول شئيا وتقصد شئيا آخر) فلايمكن الاكتفاء بالمعني الحرفي وتصديقه بشكل مباشر، فالمفارقة تنفيس فني عن ذكاء الانسان وتعبير عن قدرته علي رفض مايقال له ونقده وتأويله وتفكيكه حتي يتسق مع ما لديه من وعي ومعارف. ويبدو ذلك بارزا في كون المكان في الرواية له أهمية في الفضاء الروائي فاختار الكاتب مجموعة من المفارقات الدرامية المتصلة به، وقد عددنا بعضها بالإشارة الي اسماء الاحياء ووصفها وأسماء الاشخاص وحقيقتهم المتناقضة مع الاسماء وغير ذلك. من ذلك اسم خزي العيون وتناقضه مع كون المكان مقهي أو مرقص، واسم خميلة أو نعناعة وتعارضه مع صيرورتها وعاء ناقلا لجرثومة مرض فتاك، واسم ضو القناديل وتعارضه مع طبيعة نديمة مشغول وحقيقتها، واسم مقهور الذي بات منصورا من المتقي شخصيا، وغير ذلك من المفارقات التي برع فيها المؤلف وجملت النص وأكسبته حيوية لاحدود لها.
صلاح الدين سر الختم علي
الثامن عشر من ابريل2012
نواصل الدراسة في الجزء الثاني  تحت: عنوان ظلال التأريخ ومداخل
الخروج. ونلقي الضوء فيه علي الاسطورة والخرافة في النص ونعقد مقاربة مهمة بين بطل الروايةوشخصية تاريخية معروفة.
الهوامش:
* روب جريبة.
** د. صلاح فضل / اساليب السرد.
توترات القبطي / رواية للروائي السوداني أمير تاج السر***
الطبعة الأولي2009
عن دار ثقافة للنشر والتوزيع
دولة الامارات العربية المتحدة
ابوظبي
مطابع الدار العربية للعلوم

الجزء الثاني من دراسة توترات القبطي : امير تاج السر وظلال التاريخ هل الرواية ترجمة لسيرة سلاطين باشا؟
‏19 أبريل، 2012‏، الساعة ‏07:23 مساءً‏
دراسة نقدية                         
أمير تاج السر ومغازلة التاريخ و 

فانتازيا المكان في توترات القبطي
صلاح الدين سرالختم علي

الجزء الثاني من الدراسة: ظلال التاريخ في توترات القبطي
هل الرواية ترجمة لسيرة سلاطين باشا؟ وهل بطل الرواية هو تجسيد له؟
هذا سؤال مركزي تطرحه القراءة النشطة لرواية (توترات القبطي) ، سؤال يحرك السطور ويكشف عن بعض المضمر فيها وبعض القول الذي قالته الرواية. لذلك تكتسب المقاربة النقدية لهذا السؤال أهمية كبيرة. ويقتضي الأمر التعريف بالشخصية التاريخية موضوع الدراسة والشخصية الروائية المتخيلة موضوع المقاربة ومن ثم عرض السياق النظري للمسألة ومحاولة التعرف علي منهجية أمير تاج السر في هذا المنجز الروائي المهم.
سلاطين باشا شخصية تاريخية حقيقية أثارت لغطا كبيرا في مسرح السودان التاريخي  ولعبت دورا مهما ، وشخصية سلاطين باشا  لديها ملامح شبه وتقاطعات كثيرة مع بطل رواية توترات القبطي وهي مسألة لم تأت بمحض الصدفة ، ولكن في الوقت نفسه يخطئ من يذهب الي القول بتماثل الشخصيتين أو الي القول بان الرواية تسجيل لسيرة سلاطين باشا كما رواها في مؤلفه ذائع الصيت ( السيف والنار) الذي حكي فيه قصته مع الثورة المهدية وترجمه الي الانكليزية السير ونجت باشا حاكم عام السودان  وتم طباعة الكتاب وتعريبه بواسطة جريدة البلاغ المصرية في العام 1930  نورد بعض المعلومات المهمة حول سلاطين باشا ، من هو، وماهي سيرته؟ سلاطين باشا ضابط نمساوي ولد بفينا عاصمة النمسا في 1857 وجاء الي مصر في 1878 ودخل في خدمتها ، وعينه غردون متحصلا للضرائب في بعض انحاء السودان ومن ثم عينه حاكما علي دارفور في 1884 .
لقد عاش سلاطين باشا ستة عشر عاما في السودان، منها أربعة أعوام موظفا وحاكما علي أقليم دارفور، وأثنتي عشر عاما أسيرا وعاملا مع المهدي والخليفة عبدالله. ولا شك أن مرارة الأسر، قد ولدت لديه دافعا قويا للأنتقام سيما وأنه ختم كتابه بكلمة معبرة أكد فيها أن الخليفة عبدالله هو عدوه اللدود، وأعدي أعداءه ما دام علي قيد الحياة، وظل يحرض القوي الأروبية في محاضراته وفصول كتابه للقضاء علي المهدية وأعادة أستعمارالسودان كما سنبين في هذا المقال.
منذ أن أعلن سلاطين أسلامه في دارفور وسط جنوده ، لكسب قلوبهم وولائهم ليتقوي بهم ضد تمرد القبائل وأنتصارات المهدي الساحقة في كردفان، كان يدرك أن المعركة بينه وبين المهدية هي معركة ذكاء من أجل البقاء في المقام الأول.وكان أحد قواده أبلغه سرا أن سبب تذمر جنوده لا يعود الي سحنته وجنسيته الأروبية بل الي مسيحيته، سيما وأن جنوده أظهروا تعاطفا مع ثورة المهدي الدينية . ويعترف سلاطين أن أسلامه الزائف حقق له مكاسب فاقت توقعاته،حيث أظهر له الجنود ولاءا كبيرا، كما أصدر المهدي عفوا عنه إذا ما وافق علي تسليم دارفور دون قتال
وقد عمد سلاطين الي اعلان اسلامه علي سبيل الخداع امام جنوده وفاوض ثوار المهدية واستسلم متظاهرا بالاسلام والانضمام للمهدية وهو كاره للاسلام والمهدية في داخله.وحسب رواية سلاطين فان الخليفة عبدالله التعايشي هو من أسماه سلاطين :(كان يسميني عبد القادر فاذا كان أحد آخر قاعدا وله هذا الاسم فانه كان يناديني باسم عبد القادر صلاح الدين أي سلاطين)** أي ان سلاطين  هو تحريف لاسم صلاح الدين نجم من نطق سلاطين للعربية ولم يصحح المؤرخين الاسم رغم وضوح رواية صاحبه.السيف والنار ص40
وقد بقي سلاطين (صلاح الدين) في أسر الخليفة منتظرا فرصة للهرب والانتقام ، حانت له فهرب الي مصر وعاد غازيا مع الجيش الغازي الذي هزم الثورة المهدية واعاد احتلال السودان. وبعد ذلك نشر كتابه هذا وهو كتاب حافل بصور قاتمة عن الثورة المهدية والخليفة وهو كتاب فاقد للمصداقية لان صاحبه تخلي عن دينه علنا خلافا لما يبطن ونافق عدوه وتظاهر بالايمان به في حين انه لايستطيع اخفاء مشاعره العدائية حيث اورد في كتابه صراحة:( عندما يسمح الله باستخدام معلوماتي ومجهوداتي في سبيل ابادة الظلم الدرويشي وإزالة حكم سيدي الجائر وعدوي عبد الله الذي سيظل الد اعدائي طوال الحياة التي احياها في الدنيا. بعد ان يزول ذلك العهد الجائر ادعوا الي تأسيس الحكومة العادلة التي تمنيت كثيرا ظهورها في السودان.)  هذا النص المقتبس لايخلو من مفارقة درامية: المستعمر يصف عهد التحرر منه بانه عهد جائر ويبشر بحكومة عادلةوينسي ان ظلم حكومته الاستعمارية كان سببا للثورة! نفس المفارقة سنجد ها في الرواية في أكثر من موقع.
  وقال سلاطين في كتابه (من الواجب أن أقر ليس مدفوعا بنزعة الثأر لنفسي مما قاسيت من ويلات ، ولكن مدفوع بوازع الضمير ، بأني لا أستطيع ذكر أمة ظلمت في حياة المدنية أكثر من نصف قرن ، ثم هبطت في الدرك الأسفل من الهمجية غير السودان،حيث أصبحت المهدية عقبة كأداء في سبيل المدنية الناهضة). وأمعانا في أضفاء بعد درامي علي ما أسمهاه الهمجية والبربرية في السودان ، قال أن 75% من سكان السودان ماتوا نتيجة للحروب والمجاعات والأمراض ، وتبقي 25% يعيشون تحت الظلم والعسف والأضطهاد. وأشار الي  أن المهدية أوقفت المدنية الناشئة في السودان، وردته الي الظلام، ، في الوقت الذي أخذت فيه المناطق الأفريقية الأخري في التطور والنمو والتمدن نتيجة للحكم الأروبي المستنير!
مع أهمية الأسباب التي سردتها أسفار التاريخ عن أعادة غزو السودان، ولكن يظل سلاطين باشا، وكتابه (السيف والنار في السودان) العامل الأهم الذي دفع البرلمان البريطاني لأجازة قرار الغزو من جديد. كما جدت عزيمة مصر لأستعادة نفوذها بعد أن زين لها أهمية مصالحها الأستراتيجية في السودان. وحين تحقق الغزوعاد سلاطين في جيش كتشنر الغازي،
تلك هي ملامح جوهرية لشخصية سلاطين باشا ودوره علي مسرح التاريخ، فماهي اوجه الشبه بينه وبين بطل توترات القبطي للروائي امير تاج السر؟ اين نقاط الالتقاء واين نقاط الافتراق؟ وماهي أهمية استقصاء هذه النقطة؟
أوجه الشبه عديدة بين الشخصيتين، لذلك نبدأ بها، مع تحذير مهم، أن الكثرة لاتعني التطابق أو التما ثل، نجد ان القاسم المشترك بين الشخصيتين كون كل منهما يدين بالمسيحية، وكون كل منهما كان جزءا مهما من سلطة استعمارية ثارت عليها ثورة وطنية ذات ابعاد دينية في ارض واحدة هي أرض السودان، وكل منهما عاني من الوقوع في الأسر وتغيير الهوية الدينية والأسم التابع لها الي هوية دينية  هي هوية المنتصرواسم مستمد منها وكذلك تبدل المركز الاجتماعي الكبير الي مركز الخادم الذليل المقيد حتي في التعبير عن حقيقة مشاعره، وعمد كل منهما الي ممارسة الخداع والتظاهر بانه بات من اتباع الدين والمذهب السياسي الجديد، عاش كل منهما المجد الشخصي والصعود مع سلطة آفلة وعاش الهزيمة والانكسار ومرارة الأسر مع سلطة صاعدة وظل قلبيهما عامران بالكراهية والاحتقار للعدو ومنتظران فرصة للانتقام،حتي في تفاصيل الحياة في الأسر هناك تماثل مدهش في بعض التفاصيل، مثلا  اعترف سلاطين بانه تزوج من ابنة احد الجنود المصريين وتسمي فاطمة البيضاء ارسلهااليه الخليفة ولكن الزواج لم يستمر  طويلا، نجد ان مخائيل بطل الرواية الأسير الذي سماه القائد الذي اتخذه خادما له سعد المبروك زوجه ذلك القائد من امرأة تركية هي نديمة مشغول زواج لم يستمر طويلا ايضا!! فهل هي الصدفة؟ وقد كان مخائيل بطل الرواية متحصلا للضرائب وهي وظيفة شغلها سلاطين أيضا قبل ان يصير حاكما. ونجد مخائيل في الرواية يصف عهد الحكم الاستعماري بسنوات الخصب بصورة مطابقة لوصف سلاطين الذي اوردناه حين تحدث بصفاقة عن  الظلم الدرويشي ودعوته لحكومة عادلة في السودان هي الاستعمار
ولكن اوجه الاختلاف موجودة ، فمخائيل بطل الرواية سوداني بالميلاد وسلاطين اجنبي كلية عن السودان، وسلاطين ضابط ومخائيل جزء من السلطة المدنية ، وسيرة سلاطين الذاتية تختلف عن سيرة ميخائيل في جوانب اخري كثيرة وهي كون سلاطين خاض معاركا وقاد قوة عسكرية وامتدت خدمته الي دارفور ، بينما تشير سيرة ميخائيل الي كونه لم يبارح مسقط رأسه حتي بعد وقوعه في الأسر، فمسرح احداث حياة ميخائيل مساحته محدودة نسبيا،ونهاية سيرة ميخائيل مفتوحة علي كل الاحتمالات ، بينما سيرة سلاطين امتدت بعد الاسر في الزمان فتضمنت مغامرة فراره وذهابه مصر وعمله محرضا ضد حكم المهدية وعودته الظافرة بالنسبة له مع جيش كتشنر الغازي بما في ذلك الانتقام من الخليفة. أذا يمكن القول ان ميخائيل بطل الرواية ليس هو سلاطين الشخصية التاريخية وليس تجسيدا دراميا لفترة من حياتها وليست الرواية سردا للسيرة الذاتية لسلاطين باشا. ولكن ظلال السيرة السلاطينية موجودة علي ضفاف سيرة سعد المبروك أو ميخائيل،وقعقعة سيوف ثوار المهدية  موجودة في خلفية المشهد الروائي الذي يقدمه أمير تاج السر في توترات القبطي، بل نذهب الي ابعد من ذلك ونقول ان السيرة السلاطينية وتاريخ المهدية كانا أحد مصادر العمل الروائي الذي قدمه أمير تاج السر.ان منهجية أمير تاج السر في كتابة الرواية تتجلي في نصه موضوع الدراسة بشكل احترافي كبير، فكتابة الرواية هي كتابة بحثية يجمع فيها الكاتب مادته من مصادرها المتنوعة ، مخيلة، واقعا، تاريخا،سيرة جمعية او ذاتية، ويختار الكاتب موضوعه وزاوية تناوله، ومن ثم يعمل كل خبراته وملكاته الابداعية وتجاربه ومعارفه في هذه المادة الخام المتنوعة المصادر منطلقا في فضاء الرواية مازجا تلك المصادر بشكل يستحيل فيما بعد التمييز فيه بين تلك المصادر، فالتاريخ حين يلج الرواية يكف عن كونه تاريخا .(أن التاريخ لايكون تاريخا الا عندما يكون في حقله ونظامه الذي وجد من أجله، خاضعا لضغوطه و قوانينه الصارمة،  لكنه حين يغادره باتجاه الرواية تنتفي حقيقته الأولي التي كانت الي وقت قريب تبدو ثابتة ويصبح فعل القراءة الروائية،من حيث هو فعل منتج، مشروطا بنظام الرواية واتساع المتخيل وحريته،أي ان علي التاريخ أن يقبل بترك ثوابته وصرامته عند عتبات الرواية ويحتمي بالنسبية والهشاشة  التي تسبغ الفعل الروائي الذي لايرتكن ابدا إلي اليقين)* 
نقصد بالتاريخ أذن تلك المادة المنجزة المنتهية التي مر عليها زمن مناسب، يضمن حدود المسافة التأملية بيننا وبين المادة المعنية. ونقصد بالمتخيل ضمن هذه العلاقة الثنائية: تاريخ / رواية، المادة السردية المنجزة التي تنشأ من خلال العلاقة النشيطة والخلاقة مع حدث ما وتعطيه أمتدادات كبيرة في الزمان والمكان.
واذا كان المتخيل ينشأ من المادة التاريخية أو الفعل المنجز بشكل عام ، فهو لايعطي قيمة كبيرة للحقيقة التاريخية كحقيقة مطلقة ولكن كأستعارة لشئ تسيد وأنتفي وصار جزءا من الذاكرة الجمعية ووظيفته في النص الروائي هي أقرب الي الايهام والإحتمال البعيد منها للحقيقة الثابتة. لهذا فاختبار هذه الحقيقة ومساءلتها خارج السرد يعد ضربا من الاستحالة.* لهذا تقوم السيرورة السردية داخل النص بمحو الحدود والفواصل وتؤسس لعالم ينتفي فيه التاريخ كجقيقة وتحيل الرواية بذلك إلي ذاتها علي الرغم من حفاظها علي بعض علامات التاريخ كأحالات إيهامية في الأغلب الأعم تقرب القارئ من عالم يعرفه أو يحسه،أي التاريخ الذي لم يعد تاريخا بالمعني العلمي للكلمة، نتيجة لفعل الكتابة والسرد المتملص من الحقائق.
لما تقدم يبدو أمير تاج السر واعيا بهذه الاشكالية والمنهجية النقدية وهو يمارس فعل الكتابة وتحويل وقائع التاريخ الي سرد روائي     فيقول محذرا في مدخل الرواية:( هذا النص رواية وليس تاريخا...لذا لزم التنويه    
يقول الدكتور واسيني الأعرج كأنه  يصف حالة أمير تاج السر مع توترات القبطي(قد يلبس الروائي قناع المؤرخ مؤقتا أو بشكل أدق، قناع القارئ المحترف للتاريخ، الذي يحفر بعمق في الأشياء بحثا عن أجابات لفرضيات تشغله، ويحاول أن يجد مكانا في الأشياء المنسية في صلب التاريخ، وهذه الوظيفة هي أقرب الي نقد التاريخ ووعيه، تصبح الرواية هنا، ليست كرديف للتاريخ بمسلماته المختلفة وجيوبه السرية ولكنها بحث مستميت وصعب في العناصر المنسية والقلقة. عمل حفري منتهاه النهائي الرواية وليس مطابقة التاريخ.)
وفرضية هذه الدراسة أن امير تاج السر، حين نقب وحفر ونبش في التاريخ، كان يمارس قراءة احترافية للتاريخ ، وانتهي ذلك التنقيب الي ابداع منجز روائي غني بالدلالات والمضامين والأسئلة،ولم يكن هدف هذا البحث هو البحث في مدي مطابقة الرواية للتاريخ بقدر ما كان هو تجنيب الرواية  مثل هذه المزالق وعرض منهجية الكاتب حسبما بانت لنا بشكل يمكن من قراءات مستضئية للنص تحرره من الأحكام المسبقة والقراءات التي تنطلق من فروض في مخيلة النقاد وليس لها وجود داخل السرد نفسه، وتلك هي صورة أخري من صور الصمت الذي يهدد النصوص المبدعة. في اجتهاده وكده لايأخذ امير تاج السر في روايته المادة التاريخية كحقيقة مطلقة وليس شرطا ان يأخذها مادة للاختبار، لكنه يبحث في عمقهاعما يمكن أن ينتظم داخل النسق الروائي مضيفا شئيا جديدا إلي التاريخ، وبذلك تتحول الرواية مع غزارة ثقافة الكاتب الي ميدان للبحث، ولعله من البديهي القول انه لايمكن كتابة رواية تتصف بالتاريخية ونحن نبني كل شئ علي الفرضيات وغزارةالمتخيل الشخصي، بل نحتاج لفعل مثل هذا الي تعب القراءة والمتابعة والتقصي والغرق في التفاصيل التاريخية ، ومن ثم اعادة انتاج تلك المعارف بشكل جديد، وذلك ما فعله امير تاج السر في هذا المنجزالذي افضل القول انه رواية تتصف بالتاريخية متجنبا تصنيفها بانها رواية تاريخية ، فالرواية رواية ، هذا هو وصفها الأمثل والأكثر انضباطا من ناحية المصطلح. ان العمل الذي قام به امير تاج السر في هذه الرواية أقرب الي عمل الفنان الشعبي الذي يشتغل علي السيرالشعبية الشهيرة مثل السيرة الهلالية وسيرة سيف بن ذي يزن وسيرة فاطمة السمحة في السودان وهي سير ذات بنية أسطورية تكون فيها الحقيقة التاريخية شيئا أشبه بالهيكل العظمي فيكسوها الفنان الشعبي بخياله الفني لحما، وينفخ فيها من روحه الابداعية وتطلعات مجتمعه وأناته، روحا جديدة، فاذا بالحدث المجرد_ تاريخيا أو غير تاريخي _قد أستوي كائنا حيا، بفضل المخيلة الابداعية، فالفنان الشعبي يأخذ الحدث التاريخي ويضيف اليه من خياله وقائع واحداثا كثيرة، معتمدا علي بقايا الاساطير والخرافات اعتمادا كبيرا. فحتي لو كانت سيرة سلاطين جزءا من مصادر الرواية التاريخية وأميل الي القول بذلك بناء علي شواهد كثيرة، فأن أمير قد عالج المادة التاريخية معالجة نموذجية وأدمجها في لحمة السرد الروائي بشكل خلاق استحال معه التعرف علي العناصر المكونة للنص الروائي وتمييزها وردها الي أصولها، بل بتنا بازاء أثر فني رفيع سيؤثر علي مخيلة كل قارئ له ووعيه ويخلق معه حواره العميق وتلك سمة الأعمال الكبيرة.
انتهي الجزء الثاني من الدراسة ويليه جزء ثالث بإذن الله.
المراجع:
1/توترات القبطي / رواية / أمير تاج السر/ دار ثقافة للنشر
2/شعرية التناص في الرواية العربية/ د. سليمة عذراوي. دار رؤية للنشر. 2012-
3/ البنية الاسطورية في سيرة سيف بن ذي يزن./ د خطري عرابي/ نوارة للترجمة والنشر
4/ السيف والنار/ سلاطين باشا/ دار البلاغ/ 1930
5/ زيارة جديدة للتاريخ 2/ المسكوت عنه في تاريخ سلاطين باشا/خالد موسي دفع الله / نقلا عن الاحداث/ منشور بمنابر الجالية السودانية الاميريكية. الرابط http://www.sacdo.com/forum/forum_posts.asp?TID=6700


صلاح الدين سر الختم علي
القاهرة اليوم الحادي والعشرين من ابريل 2012

فانتازيا المكان/ مظاهر الميثولوجيا في رواية توترات القبطي / الجزء الثالث من الدراسة
‏21 أبريل، 2012‏، الساعة ‏11:00 صباحاً‏
دراسة نقدية
أمير تاج السر ومغازلة التاريخ و
3 فانتازيا المكان في توترات القبطي
صلاح الدين سرالختم علي
الجزء الثالث من الدراسة
مظاهر الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى
في هذا المحور من الدراسة نتابع تحليل وتفكيك بنية نص توترات القبطي لامير تاج السر وفق منهجية محددة تبتغي بالاشتغال علي النص الروائي انتاج معرفة بالنص من خلال محاورته والكشف فيه عن مضمره وعن آليات وشروط انتاجه، ومحور الحكايات  الاسطورية أو العجيبة أو العجائبية(الميثولوجيا) محور مهم للتعرف علي النص والتعريف به ، فالنص يعج بالاساطير ومظاهرها وتجلياتها وهي لم تحشد حشدا عشوائيا،كما سنبين، بل لها وظيفة محددة، في هذا المحور من الدراسة.نحاول التعريف بالمصطلح والبحث عن مظاهر وتجليات الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى وبعد ذلك نستعين بالنص الروائى في تتبعنا لتلك التجليات والمظاهر، قاصدين بذلك أبراز منهجية البحث وفروضه وما آلت اليه في الختام.
والميثولوجيا تعنى الاساطير والكرامات والخرافات وكل فكر مناقض للفكر العقلانى ) (1)واذا ارتبطت الميثولوجيا بحياة العوام اساسا الا انها وظفت حتى فى العصر الحديث فى السياسة لدرجة انها شكلت على سبيل المثال لب المشروع الصهيونى الذى تمخض عن تأسيس دولة اسرائيل ، وبرغم إستنادها الى الخيال فهى تنطوى على حقائق تاريخية ثانويةفى طياتها الامر الذى اهلها لتكون احد مصادر علم التاريخ ، ومع انها وليدة تفكير العوام ، فقد عبرت عنه فى  لغات رامزة لها ، وقد اعتبرها البعض نوعا من الفلسفة البدائية تـأسيسا على شمولية رؤاها . لذلك اصبحت موضوعا للبحث والدرس والاستقصاء والتحليل والاستنباط من قبل المؤرخين والفلاسفة وعلماء النفس باعتبارها معرفة غاية فى الثراء والتعقيد ، وبالغة الاهمية فى دلالاتها كابداع جمعى عرفته المجتمعات الانسانية قاطبة طوال تاريخها . وهى تجمع بين المعقول والا معقول ، وبين الواقع والخيال ، وبين الوقائع السلوكية والمثل العليا.
 وتنطوى الميثولوجيا علي بعد ديني، خصوصا ما تعلق ب(الكرامة) التي هي وثيقة الارتباط بالاسطورة، من حيث نشأتهما معا  في مناخ اجتماعي واحد، تبادلا  من خلاله آلية التأثير والتأثر، هذا فضلا عن تمحور كل منهما حول (البطل) ذي القدرات الخارقة التي تتجاوز منطق الواقع وقوانين الزمان والمكان،ليحقق الحلم الجمعي وفق ارادته المطلقة. كما اشتركتا في الطابع الخيالي واللغة الرامزة المقنعة والموحية دون تصريح. وقد تناول ابن خلدون في مقدمته موضوع الكرامات والسحر والشعوذة واعتبرها علما سماه ( علوم السحر والطلسمات). وآمن ميكافيلي بان المنجمين وقراء الطالع استطاعوا التنبؤ بالكوارث الكبري قبل حدوثها.
وتعد السير والملاحم الشعبية أهم ما ابدعه العقل الجمعي والوجدان الشعبي صلة بالتاريخ ، بالرغم مما تنطوي عليه من خيال، اذ تدور حول سير ابطال وملاحم شعوب كان لهم وجود حقيقي في صياغة التاريخ.(2(
1– د . محمود اسماعيل / الاسطغرافيا و الميثولوجيا / رؤية للنشر 2009
2-أرنست كاسيرو/ الدولة والاسطورة/ الترجمة العربية.
الحكاية العجائبيةأوالعجيبةأو الاسطورة  وكيفية بنائها: 
ثمة ارتباك  بين النقاد في استخدام المصطلح لوصف الاسطورة أو الحكاية الخرافية، فبعضهم أستخدم مصطلح الحكاية العجائبية* أوالحكاية العجيبة وبعضهم أستخدم مصطلح (الحكاية العجيبة ) فقط** وبعضهم أستخدم مصطلح الميثولوجيا***، ويفسر الناقد سعد يقطين الحكي العجائبي بانه الخرافي حين يقول:( يقصد بالحكي العجائبي (الخرافي) مختلف الأنماط الحكائية السردية التي تتشكل منها الحكاية العجائبية، العجائبي نمط سردي يمكن ان يحضر في الحكاية العجيبة أو السيرة الشعبية أو الرواية أو افلام الرعب.)****
وتبني الحكاية الخرافية أو العجيبة أو الميثولوجية  من حيث الشكل الهيكلي علي بناء ثلاثي المظهر، حيث تبتدئ بحدوث نقص ما يؤدي الي خروج البطل عن عالمه المألوف الي العالم المجهول.
ويكون ذلك النقص مرضا أو حادثا أو مسخا......الخ.
ثم تبني الحكاية العجيبة علي الفعل الخارق للبطل كرد فعل علي النقص، وتستند علي تركيب سردي يقوم علي المصادفة التي لاتنتقص من قيمة البناء الداخلي للحكاية بقدر ما تدفع الاحداث المتراكمة الي تحقيق الوحدة الملحمية المثالية، مثال ذلك مصادفة ان الغول الذي ينام عاما كاملا في سيرة فاطمة السمحة كان نائما عند حضور أبني عمها حسن وحسين لتحريرها من أسره.
وتقوم الحكاية العجيبة علي تكرار بعض الوحدات الدلالية، الضرر ورفع الضرر، لتبرز قانون التناقض بين القيم الانسانية: الشجاعة والجبن/ التسامح والغيرة/ القناعة والطمع.
أن موضوع رواية(توترات القبطي) بطبيعته موضوع تحفه الأساطير التي ظلت ترافق سيرة الثورة المهدية علي طول الطريق منذ ان كانت نطفة في رحم التاريخ حتي اشتعالها وصيرورتها واقعا وانتصارها وخبو جذوتها وانكسارها وهزيمتها،وحتي بعد ان باتت في ذمة التاريخ، فظلت الأساطير والخرافات تطاردها وتلاحق سيرتها وسيرة ابطالها وقائدها.وأختلطت بعض أكاذيب الحرب النفسية وتزوير التاريخ لخصومها بتلك الاساطير.لذلك فأن الشئ الطبيعي أن يجئ أي نص أدبي يتكئ عليها ويتخذ منها أو من مسرح أحداثها موضوعا له، حافلا
*د سعيد يقطين/السرد العربي/ دار رؤية/2012 .يمثل هذا الاتجاه.
**د سعاد مسكين/ خزانة شهر زاد الأنواع السردية في الف ليلة وليلة/ دار رؤية/   استخدمت هذا المصطلح فقط.
*** د محمود اسماعيل/ الاسطغرافيا والميثولوجيا/ دار رؤية.
****سعد يقطين / الكلام والخبر/ مقدمة للسرد العربي .
بالأساطير هو الآخر، والا  حكم علي نفسه بالموت وفقد قدرته علي الأيهام بواقعيته.فالأسطورة أذا موظفة في رواية (توترات القبطي) توظيفا محكما وتمثل استجابة واعية لشرط من شروط الكتابة الروائية ، وليست ترفا أو استعراضا لعضلات الكاتب، أو شيئا مقحما علي النص من خارجه. نتتبع مظاهر الميثولوجيا في الرواية من داخلها لشرح الأطار النظري عمليا وتبيين مدي مقدرة الرواية ومبدعها علي الاستجابة للأطار النظري.
أولا/شخصية المتقي والتجليات الصوفية
حرص الكاتب حرصا ظاهرا علي ابراز شخصية المتقي قائد الثورة كشخصية أسطورية بحتة،فعلي أمتداد الرواية  لم يبرز المتقي بشخصه في أي مشهد، بل ظل دوما مفهوما وصورة متجلية في ذهن أتباعه وصوتا يأتي من المجهول ليدغدغ مشاعرهم ويلهبها، وظل دوما محورا للحكايات، حتي بالنسبة لمقهور الذي ادعي بنوته له، المتقي ليس أبا عاديا، بل هو صورة ورؤيا وحلم،وهذا التصوير يقارب المفهوم الصوفي للمهدي المنتظر، وقد ظهر التصوف منذ عصر صدر الاسلام متخذا صورة الزهد في الدنيا وترفها، والأمعان في التطهر والنسك والمبالغة في العبادة كرد فعل للأسراف في التمتع بالمباهج الحسية علي إثر الفتوحات الأسلامية وما أسفر عنها من نزعات دنيوية. وخلال القرن الثالث الهجري ،تحول الزهد المتطور الي عقيدة فلسفية تقول بوحدة الوجد وتجعل من الذوق أداة للمعرفة بدلا من العقل عند علماء الكلام والنص عند الفقهاء. وبفضل الحلاج تحول التصوف الي مفهوم ثوري أسلامي يستهدف مواجهة الظلم وتحقيق العدالة. وخلال القرن السادس ظهرت الفرق الصوفية وجندت المريدين والاتباع علي نطاق واسع. وعلي الرغم من انطلاق التصوف من الأسلام إلا انه تحول الي فلكلور في عصور انحطاط الحضارة العربية الاسلامية، فغص بالخرافات والشعوذة والأسراف في تقدير الأولياء الي حد التقديس.
نقتبس من نص التوترات:(و الأسئلة تنكتب في كل ذهن..لماذا لايظهر المتقي لأحبابه علنا، ولماذا يستعرضهم من بين الشقوق، ويجلدهم بالصوت من خلف خيمة، ولايمنحهم نوره الذي يودون أن يمسكوا به)*
(الكارور يفح معلنا بداية خطبة الإمام المتقي، وتحول الجميع الي أذن واحدة تود أن تمتص، وترتبط بذلك الحبل المبارك.)*
ويصر الراوي علي وصف صوت المتقي بأنه حبل وليس صوتا بشريا:( لم يكن صوتا كصوتي ولاصوت أبي ايام كان يملك صوتا، ولاصوت الأمير عبادي طلسم، ولا أي صوت آخر أستمعت اليه في حياتي كلها، كان حبلا غزير الأمتار، شدنا من أعماقنا، ومرغنا في التراب، شدنا من ثيابنا وعرانا، شدنا من رئات التنفس ، ولهث بنا، ورأيت المجندين وقد ترنحوا بلا مرؤة، والمعسكر الكبير، مجرد علبة من علب الصفيح، يتلاعب بها موج بحر هادر.)*
*توترات القبطي / ص154
عندما يصير الصوت حبلا يشد الناس فان صاحب الحبل يصبح أسطورة خارقة وليس أنسانا من لحم ودم
وهكذا يرتفع الراوي بالمتقي الي مصاف الأسطورةويجعل منه شئيا هلاميا غامضا
ويورد الراوي تفسير المتقي لعدم ظهوره لاتباعه فنجد تفسيرا صوفيا بحتا مفاده اتباعه للرؤيا:
(لا نضن عليكم بوجهنا طوعا يا أحباب... ولكن نتبع الرؤيا...نتبع الأمر...حتي يعم الخير..)*
ولايجب ان يغيب عن ذهن من يقرأ وصف المتقي ان  الراوي هو عدو المتقي الذي يروي عنه، لذلك يجب ألا نتقبل كل صورة ووصف، بل ندقق فيما هو كامن من سم في الدسم. ولكن اللافت للنظر ان الكاتب اختار عامدا استبدال اسم المهدي باسم المتقي وفعل الشئ نفسه باسماء الأمكنة والشخوص في الرواية عامدا تحرير الرواية من قيود التاريخ وضيقه ليتثني للرواية محاورة التاريخ بحرية.
ان الكاتب يرسم صورة أسطورية لقائد الثورة عمدا حتي يحقق للنص ثراءه ويصبح للمغزي ظلال تشي به دون بوح ودون مصادرة لخيال القارئ الفسيح.
أسطورة الصبي مقهور المنصورأبن الحلم
وتحتوي الرواية علي أسطورة أخري تشكل أمتدادا لأسطورة المتقي، هي أسطورة الصبي مقهور الذي كان جنديا عاديا في كتيبة من كتائب الثوار، وفجأة أخذ يعلن انه ابن المتقي استنادا علي رؤيا  حضرته ، فهو ابن الحلم المشترك وليس ابنا صلبيا مثل سائر بني البشر والمقصود هنا تكثيف ظلال أسطورة المتقي نفسه بهذه الكرامة من كراماته، ترد السيرة هكذا:( في سرية حاملي القوس والنبال، صبي ذو وجه طفولي مليح، لم يكن يعرف أحد من أين جاء، ولا دلت ملامحه الطفولية المليحة، عن قبيلته ينتمي اليها، وقد تردد همسا وسط جنود الكتيبة، ان مقهور حلم مرات عدة، بأنه ابن منسي للامام المتقي، ولد وتربي بعيدا عنه، وقد اخبره الحلم بانه سيجتمع بأبيه في أحد الايام.)**
يكون رد السلطة الزمنية ممثلة في قواد الكتيبة هو القبض علي الصبي وتعذيبه لاجباره علي الكف عن الهذيان، ويكف الصبي عن الهذيان مؤقتا ثم يقتل حارسا ويهرب، وبعد فترة من الزمن يعلنه المتقي قائدا للجيش محققا بذلك حلمه ومؤكدا مصداقيته ومصداقية الرؤيا التي أدعاها.وهكذا تكتمل الصورة الأسطورية بكرامة من الكرامات.دلالة الاسم مقهور الذي بات منصورا دلالة عميقة تضاف الي جملة المفارقات التي اعتمدها الكاتب في كتابة النص بأكمله.
*توترات القبطي 154
**توترات القبطي 155
ملامح أخري للأسطورة في الرواية
تشابه مصير أنسان وجواد
هناك ملامح أخري لتجليات الأسطورة في الرواية من خلال مقارنة صامتة بين مصير جواد وأنسان هما ميخائيل بك (الراوي) و(مصبح )حواد الحاكم التركي الهالك،  قصة جواد القائد التركي يوسف دامير الذي قتله الثوار في معركة تحرير مدينة السور التي كانت مقرا له،ترد  في الرواية في ص 162 حين يكتشف ميخائيل بك الذي صار اسيرا اسمه سعد المبروك وهو يهئ حصان سيده الجديد القائد عبادي طلسم الحمال السابق، ان ذلك الحصان هو ذاته (مصبح) جواد سيده السابق التركي يوسف دامير حاكم مدينة السور.يقول الراوي لحظة الاكتشاف:(تعرفت علي الجواد، وتعرف علي، وبكينا في صمت..انا اخون دمي الجديد، وأبكي بالدم النصراني القديم ، والجواد يخون اسراجه لحمل الجهادي، ويحن لسيده الذي رحل)*
فالجواد وقع في الأسر مثله مثل ميخائيل وانتقلت ملكيته لممثل السلطة الجديدة
،وهو القائد عبادي طلسم
و هذه صورة أخري 
 بها مفارقة  ولاتخلو من سخرية مريرةو
البعد الجمالي الاخر للنص انه يمكن القارئ من الوقوف علي طبيعة ميخائيل المراوغة المنافقة ودخيلته المملؤة حقدا علي ثورة
سحقت سلطته التي يدين بالوفاء لها ويكتمه.
حكاية الطفل الصيني الذي ولد بحي ونسة
في الرواية ملمح آخر للاسطورة ممثلا في قصة طفل صيني الملامح ولد في حي ونسة الفقير الكائن باطراف مدينة السور والذي تنشط به بيوت البغاء العلنية:( في تلك البقعة، ولد طفل صيني، لايعرف أحد من أبوه، ولم يدخل السور منذ انشائها صيني قط، ولا استطاع أحد تفسير تلك الملامح، شك علماء الدين في كونه المسيح الدجال الذي يظهر عند نهاية الدنيا، ووزعوا الاضطراب في خطب المساجد، وفي النهاية سموه الغريب.)**
وفي هذه الحكاية أشارة تربط المتقي بفكرة المسيح الدجال بلا شك. وهي أشارة مقصودة فالسلطة الآفلة ممثلة في مخائيل بك لاتريد ان تقبل بالتفسير البسيط المباشر لاسباب نجاح ثورة( المتقي) عليها وهو كونها سلطة استعمارية نهبت خيرات البلاد وطمست هويتها وأرهقت كاهل أهلها بالضرائب، وتريد السلطة المهزومة اللجوء الي تفسيرات غيبية للظواهر الاجتماعية، انكارا للثابت والحقيقي والظاهر.
*التوترات /ص 162
**التوترات ص 166
وهناك تجليات أخري كثيرة للاسطوري في الرواية منها اعتقاد الناس بان صديد جرح الجندي الذي جرحه الصبي مقهور يشفي المرضي ويحقق المعجزات فيتهافتون علي ذلك الصديد ويروجون قصصا خيالية عنه، ومن ذلك الشحصية الأسطورية (ضو القناديل) التي تسترت خلفها (نديمة مشغول) التي صعدت بها من حضيض صاحبة مقهي للملذات الي صورة زاهية لمجاهدة تروي حولها الروايات وويرصد بعد ذلك تحولها في نظر الثوار زنديقة تستحق الموت عند اكتشاف ماضيها ثم ارتفاعها الي مرتبة الشهيدة بعد اعلان المتقي ذلك وعدم جواز محاكمتها بماضيها. ومن مظاهر الأساطير ذلك العطر المسمي ريح الجنة الذي يتداوله اتباع المتقي معتقدين في ذلك. وهناك أسطورة النعناعة (خميلة جماري) سابقا التي باتت وعاء ناقلا لمرض عجيب فتك بعبادي طلسم ثم أصابت جرثومته الراوي ميخائيل بك نفسه في الخاتمة.
وهكذا نجد الرواية محاطة من كل الاتجاهات بالعناصر الأسطورية  ووقائع التاريخ الحقيقي المحور داخل النص ليخدم  النص ويحقق أهدافه، والرواية بذلك تتماهي مع موضوعها الذي أختارته ويلتحم متخيلها مع واقعها المحور بحيث يصعب فض الاشتباك وهو ما اراده الكاتب. لكن سفره في التاريخ والاسطورة والخيال لم يكن سفرا بلا غاية ولاهدف بل كان سفرا لاعادة قراءة التاريخ والحاضر وهو تاريخ ممتد في مستقبل بات حاضرا وسيمسي تاريخا في قريب عاجل.أن اختيار الكاتب لشخصية الراوي ميخائيل بك وتسليمه دفة السرد من بداية الرواية حتي ختامها لم يأت اعتباطا، بل هو أمر مقصود، فشخصية ميخائيل بك شخصية كاركتيرية، وقد أعتمد الكاتب المفارقة في السرد المروي بلسانها، لذلك فان من يصدق كل ما تقوله هذه الشخصية تغيب عنه رسالة النص الجمالية والمعرفية، فالجلاد لايصلح شاهدا علي الضحية، والخصم لايصلح حكما،ولايصلح راوية للتاريخ، لان روايته للتاريخ ، مهما حاول ان يكون منصفا هي شهادة بعين واحدة وصوت واحد عن حدث متعدد الجوانب والشخوص والسير والأحداث.
 صلاح الدين سر الختم علي
القاهرة فانتازيا المكان/ مظاهر الميثولوجيا في رواية توترات القبطي / الجزء الثالث من الدراسة
‏21 أبريل، 2012‏، الساعة ‏11:00 صباحاً‏ دراسة نقدية أمير تاج السر ومغازلة التاريخ و
مظاهر الميثولوجيا فى رواية توترات
3 فانتازيا المكان في توترات القبطي صلاح الدين سرالختم علي الجزء الثالث من الدراسة القبطى
تبتغي بالاشتغال علي النص الروائي انتاج معرفة بالنص من خلال محاورته والكشف فيه عن مضمره وعن آليات وشروط انتاجه، ومحور الحكايات الاسطورية أو العجيبة أو العجائبية(الميثولوجيا) محور مهم للتعرف علي النص والتعريف به ، فالنص يعج بالاساطير ومظاهرها وتجلياتها وهي لم تحشد حشدا عشوائيا،كما سنبين، بل لها وظيفة محددة، في هذا المحور من الدراسة.نحاول التعريف بالمصطلح والبحث عن مظاهر وتجليات الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى وبعد ذلك نستعين بالنص الروائى في تتبعنا لتلك التجليات والمظاهر، قاصدين بذلك أبراز منهجية البحث وفروضه وما آلت اليه في الختام. والميثولوجيا تعنى الاساطير والكرامات والخرافات وكل فكر مناقض للفكر العقلانى ) (1)واذا ارتبطت الم
في هذا المحور من الدراسة نتابع تحليل وتفكيك بنية نص توترات القبطي لامير تاج السر وفق منهجية محدد
ةيثولوجيا بحياة العوام اساسا الا انها وظفت حتى فى العصر الحديث فى السياسة لدرجة انها شكلت على سبيل المثال لب المشروع الصهيونى الذى تمخض عن تأسيس دولة اسرائيل ، وبرغم إستنادها الى الخيال فهى تنطوى على حقائق تاريخية ثانويةفى طياتها الامر الذى اهلها لتكون احد مصادر علم التاريخ ، ومع انها وليدة تفكير العوام ، فقد عبرت عنه فى لغات رامزة لها ، وقد اعتبرها البعض نوعا من الفلسفة البدائية تـأسيسا على شمولية رؤاها . لذلك اصبحت موضوعا للبحث والدرس والاستقصاء والتحليل والاستنباط من قبل المؤرخين والفلاسفة وعلماء النفس باعتبارها معرفة غاية فى الثراء والتعقيد ، وبالغة الاهمية فى دلالاتها كابداع جمعى عرفته المجتمعات الانسانية قاطبة طوال تاريخها . وهى تجمع بين المعقول والا معقول ، وبين الواقع والخيال ، وبين الوقائع السلوكية والمثل العليا.
لهم وجود حقيقي في صياغة التاريخ.(2( 1– د . محمود اسماعيل / الاسطغرافيا و الميثولوجيا / رؤية للنشر 2009 2-أرنست كاسيرو/ الدولة والاسطورة/ الترجمة العربية. الحكاية العجائبيةأوالعجيبةأو الاسطورة وكيفية بنائها: ثمة ارتباك بين النقاد في استخدام المصطلح لوصف الاسطورة أو الحكاية الخرافية، فبعضهم أستخدم مصطلح الحكاية العجائبية* أوالحكاية العجيبة وبعضهم أستخدم مصطلح (الحكاية العجيبة ) فقط** وبعضهم أستخدم مصطلح الميثولوجيا***، ويفسر الناقد سعد يقطين الحكي العجائبي بانه الخرافي حين يقول:( يقصد بالحكي العجائبي (الخرافي) مختلف الأنماط الحكائية السردية التي تتشكل منها الحكاية ال
وتنطوى الميثولوجيا علي بعد ديني، خصوصا ما تعلق ب(الكرامة) التي هي وثيقة الارتباط بالاسطورة، من حيث نشأتهما معا في مناخ اجتماعي واحد، تبادلا من خلاله آلية التأثير والتأثر، هذا فضلا عن تمحور كل منهما حول (البطل) ذي القدرات الخارقة التي تتجاوز منطق الواقع وقوانين الزمان والمكان،ليحقق الحلم الجمعي وفق ارادته المطلقة. كما اشتركتا في الطابع الخيالي واللغة الرامزة المقنعة والموحية دون تصريح. وقد تناول ابن خلدون في مقدمته موضوع الكرامات والسحر والشعوذة واعتبرها علما سماه ( علوم السحر والطلسمات). وآمن ميكافيلي بان المنجمين وقراء الطالع استطاعوا التنبؤ بالكوارث الكبري قبل حدوثها. وتعد السير والملاحم الشعبية أهم ما ابدعه العقل الجمعي والوجدان الشعبي صلة بالتاريخ ، بالرغم مما تنطوي عليه من خيال، اذ تدور حول سير ابطال وملاحم شعوب كا
نعجائبية، العجائبي نمط سردي يمكن ان يحضر في الحكاية العجيبة أو السيرة الشعبية أو الرواية أو افلام الرعب.)**** وتبني الحكاية الخرافية أو العجيبة أو الميثولوجية من حيث الشكل الهيكلي علي بناء ثلاثي المظهر، حيث تبتدئ بحدوث نقص ما يؤدي الي خروج البطل عن عالمه المألوف الي العالم المجهول. ويكون ذلك النقص مرضا أو حادثا أو مسخا......الخ. ثم تبني الحكاية العجيبة علي الفعل الخارق للبطل كرد فعل علي النقص، وتستند علي تركيب سردي يقوم علي المصادفة التي لاتنتقص من قيمة البناء الداخلي للحكاية بقدر ما تدفع الاحداث المتراكمة الي تحقيق الوحدة الملحمية المثالية، مثال ذلك مصادفة ان الغول الذي ينام عاما كاملا في سيرة فاطمة السمحة كان نائما عند حضور أبني عمها حسن وحسين لتحريرها من أسره. وتقوم الحكاية العجيبة علي تكرار بعض الوحدات الدلالية، الضرر ورفع الضرر، لتبرز قانون التناقض بين القيم الانسانية: الشجاعة والجبن/ التسامح والغيرة/ القناعة والطمع.
لأسطورة أذا موظفة في رواية (توترات القبطي) توظيفا محكما وتمثل استجابة واعية لشرط من شروط الكتابة الروائية ، وليست ترفا أو استعراضا لعضلات الكاتب، أو شيئا مقحما علي النص من خارجه. نتتبع مظاهر الميثولوجيا في الرواية من داخلها لشرح الأطار النظري عمليا وتبيين مدي مقدرة الرواية ومبدعها علي الاستجابة للأطار النظري. أولا/شخصية المتقي والتجليات الصوفية حرص الكاتب حرصا ظاهرا علي ابراز شخصية المتقي قائد الثورة كشخصية أسطورية بحتة،فعلي أمتداد الرواية لم يبرز المتقي بشخصه في أي مشهد،
أن موضوع رواية(توترات القبطي) بطبيعته موضوع تحفه الأساطير التي ظلت ترافق سيرة الثورة المهدية علي طول الطريق منذ ان كانت نطفة في رحم التاريخ حتي اشتعالها وصيرورتها واقعا وانتصارها وخبو جذوتها وانكسارها وهزيمتها،وحتي بعد ان باتت في ذمة التاريخ، فظلت الأساطير والخرافات تطاردها وتلاحق سيرتها وسيرة ابطالها وقائدها.وأختلطت بعض أكاذيب الحرب النفسية وتزوير التاريخ لخصومها بتلك الاساطير.لذلك فأن الشئ الطبيعي أن يجئ أي نص أدبي يتكئ عليها ويتخذ منها أو من مسرح أحداثها موضوعا له، حافلا *د سعيد يقطين/السرد العربي/ دار رؤية/2012 .يمثل هذا الاتجاه. **د سعاد مسكين/ خزانة شهر زاد الأنواع السردية في الف ليلة وليلة/ دار رؤية/ استخدمت هذا المصطلح فقط. *** د محمود اسماعيل/ الاسطغرافيا والميثولوجيا/ دار رؤية. ****سعد يقطين / الكلام والخبر/ مقدمة للسرد العربي . بالأساطير هو الآخر، والا حكم علي نفسه بالموت وفقد قدرته علي الأيهام بواقعيته.ف
ابل ظل دوما مفهوما وصورة متجلية في ذهن أتباعه وصوتا يأتي من المجهول ليدغدغ مشاعرهم ويلهبها، وظل دوما محورا للحكايات، حتي بالنسبة لمقهور الذي ادعي بنوته له، المتقي ليس أبا عاديا، بل هو صورة ورؤيا وحلم،وهذا التصوير يقارب المفهوم الصوفي للمهدي المنتظر، وقد ظهر التصوف منذ عصر صدر الاسلام متخذا صورة الزهد في الدنيا وترفها، والأمعان في التطهر والنسك والمبالغة في العبادة كرد فعل للأسراف في التمتع بالمباهج الحسية علي إثر الفتوحات الأسلامية وما أسفر عنها من نزعات دنيوية. وخلال القرن الثالث الهجري ،تحول الزهد المتطور الي عقيدة فلسفية تقول بوحدة الوجد وتجعل من الذوق أداة للمعرفة بدلا من العقل عند علماء الكلام والنص عند الفقهاء. وبفضل الحلاج تحول التصوف الي مفهوم ثوري أسلامي يستهدف مواجهة الظلم وتحقيق العدالة. وخلال القرن السادس ظهرت الفرق الصوفية وجندت المريدين والاتباع علي نطاق واسع. وعلي الرغم من انطلاق التصوف من الأسلام إلا انه تحول الي فلكلور في عصور انحطاط الحضارة العربية الاسلامية، فغص بالخرافات والشعوذة والأسراف في تقدير الأولياء الي حد التقديس. نقتبس من نص التوترات:(و الأسئلة تنكتب في كل ذهن..لماذا لايظهر المتقي لأحبابه علنا، ولماذا يستعرضهم من بين الشقوق، ويجلدهم بالصوت من خلف خيمة، ولايمنحهم نوره الذي يودون أن يمسكوا به)* (الكارور يفح معلنا بداية خطبة الإمام المتقي، وتحول الجميع الي أذن واحدة تود أن تمتص، وترتبط بذلك الحبل المبارك.)*
المنصورأبن الحلم وتحتوي الرواية علي أسطورة أخري تشكل أمتدادا لأسطورة المتقي، هي أسطورة الصبي مقهور الذي كان جنديا عاديا في كتيبة من كتائب الثوار، وفجأة أخذ يعلن انه ابن المتقي استنادا علي رؤيا حضرته ، فهو ابن الحلم المشترك وليس ابنا صلبيا مثل سائر بني البشر والمقصود هنا تكثيف ظلال أسطورة المتقي نفسه بهذه الكرامة من كراماته، ترد السيرة هكذا:( في سرية حاملي القوس والنبال، صبي ذو وجه طفولي م
ويصر الراوي علي وصف صوت المتقي بأنه حبل وليس صوتا بشريا:( لم يكن صوتا كصوتي ولاصوت أبي ايام كان يملك صوتا، ولاصوت الأمير عبادي طلسم، ولا أي صوت آخر أستمعت اليه في حياتي كلها، كان حبلا غزير الأمتار، شدنا من أعماقنا، ومرغنا في التراب، شدنا من ثيابنا وعرانا، شدنا من رئات التنفس ، ولهث بنا، ورأيت المجندين وقد ترنحوا بلا مرؤة، والمعسكر الكبير، مجرد علبة من علب الصفيح، يتلاعب بها موج بحر هادر.)* *توترات القبطي / ص154 عندما يصير الصوت حبلا يشد الناس فان صاحب الحبل يصبح أسطورة خارقة وليس أنسانا من لحم ودم وهكذا يرتفع الراوي بالمتقي الي مصاف الأسطورةويجعل منه شئيا هلاميا غامضا ويورد الراوي تفسير المتقي لعدم ظهوره لاتباعه فنجد تفسيرا صوفيا بحتا مفاده اتباعه للرؤيا: (لا نضن عليكم بوجهنا طوعا يا أحباب... ولكن نتبع الرؤيا...نتبع الأمر...حتي يعم الخير..)* ولايجب ان يغيب عن ذهن من يقرأ وصف المتقي ان الراوي هو عدو المتقي الذي يروي عنه، لذلك يجب ألا نتقبل كل صورة ووصف، بل ندقق فيما هو كامن من سم في الدسم. ولكن اللافت للنظر ان الكاتب اختار عامدا استبدال اسم المهدي باسم المتقي وفعل الشئ نفسه باسماء الأمكنة والشخوص في الرواية عامدا تحرير الرواية من قيود التاريخ وضيقه ليتثني للرواية محاورة التاريخ بحرية. ان الكاتب يرسم صورة أسطورية لقائد الثورة عمدا حتي يحقق للنص ثراءه ويصبح للمغزي ظلال تشي به دون بوح ودون مصادرة لخيال القارئ الفسيح. أسطورة الصبي مقهور
ليح، لم يكن يعرف أحد من أين جاء، ولا دلت ملامحه الطفولية المليحة، عن قبيلته ينتمي اليها، وقد تردد همسا وسط جنود الكتيبة، ان مقهور حلم مرات عدة، بأنه ابن منسي للامام المتقي، ولد وتربي بعيدا عنه، وقد اخبره الحلم بانه سيجتمع بأبيه في أحد الايام.)** يكون رد السلطة الزمنية ممثلة في قواد الكتيبة هو القبض علي الصبي وتعذيبه لاجباره علي الكف عن الهذيان، ويكف الصبي عن الهذيان مؤقتا ثم يقتل حارسا ويهرب، وبعد فترة من الزمن يعلنه المتقي قائدا للجيش محققا بذلك حلمه ومؤكدا مصداقيته ومصداقية الرؤيا التي أدعاها.وهكذا تكتمل الصورة الأسطورية بكرامة من الكرامات.دلالة الاسم مقهور الذي بات منصورا دلالة عميقة تضاف الي جملة المفارقات التي اعتمدها الكاتب في كتابة النص بأكمله. *توترات القبطي 154 **توترات القبطي 155 ملامح أخري للأسطورة في الرواية تشابه مصير أنسان وجواد هناك ملامح أخري لتجليات الأسطورة في الرواية من خلال مقارنة صامتة بين مصير جواد وأنسان هما ميخائيل بك (الراوي) و(مصبح )حواد الحاكم التركي الهالك، قصة جواد القائد التركي يوسف دامير الذي قتله الثوار في معركة تحرير مدينة السور التي كانت مقرا له،ترد في الرواية في ص 162 حين يكتشف ميخائيل بك الذي صار اسيرا اسمه سعد المبروك وهو يهئ حصان سيده الجديد القائد عبادي طلسم الحمال السابق، ان ذلك الحصان هو ذاته (مصبح) جواد سيده السابق التركي يوسف دامير حاكم مدينة السور.يقول الراوي لحظة الاكتشاف:(تعرفت علي الجواد، وتعرف علي، وبكينا في صمت..انا اخون دمي الجديد، وأبكي بالدم النصراني القديم ، والجواد يخون اسراجه لحمل الجهادي، ويحن لسيده الذي رحل)* فالجواد وقع في الأسر مثله مثل ميخائيل وانتقلت ملكيته لممثل السلطة الجديدة ،وهو القائد عبادي طلسم و هذه صورة أخري بها مفارقة ولاتخلو من سخرية مريرةو
قدين في ذلك. وهناك أسطورة النعناعة (خميلة جماري) سابقا التي باتت وعاء ناقلا لمرض عجيب فتك بعبادي طلسم ثم أصابت جرثوم
البعد الجمالي الاخر للنص انه يمكن القارئ من الوقوف علي طبيعة ميخائيل المراوغة المنافقة ودخيلته المملؤة حقدا علي ثورة سحقت سلطته التي يدين بالوفاء لها ويكتمه. حكاية الطفل الصيني الذي ولد بحي ونسة في الرواية ملمح آخر للاسطورة ممثلا في قصة طفل صيني الملامح ولد في حي ونسة الفقير الكائن باطراف مدينة السور والذي تنشط به بيوت البغاء العلنية:( في تلك البقعة، ولد طفل صيني، لايعرف أحد من أبوه، ولم يدخل السور منذ انشائها صيني قط، ولا استطاع أحد تفسير تلك الملامح، شك علماء الدين في كونه المسيح الدجال الذي يظهر عند نهاية الدنيا، ووزعوا الاضطراب في خطب المساجد، وفي النهاية سموه الغريب.)** وفي هذه الحكاية أشارة تربط المتقي بفكرة المسيح الدجال بلا شك. وهي أشارة مقصودة فالسلطة الآفلة ممثلة في مخائيل بك لاتريد ان تقبل بالتفسير البسيط المباشر لاسباب نجاح ثورة( المتقي) عليها وهو كونها سلطة استعمارية نهبت خيرات البلاد وطمست هويتها وأرهقت كاهل أهلها بالضرائب، وتريد السلطة المهزومة اللجوء الي تفسيرات غيبية للظواهر الاجتماعية، انكارا للثابت والحقيقي والظاهر. *التوترات /ص 162 **التوترات ص 166 وهناك تجليات أخري كثيرة للاسطوري في الرواية منها اعتقاد الناس بان صديد جرح الجندي الذي جرحه الصبي مقهور يشفي المرضي ويحقق المعجزات فيتهافتون علي ذلك الصديد ويروجون قصصا خيالية عنه، ومن ذلك الشحصية الأسطورية (ضو القناديل) التي تسترت خلفها (نديمة مشغول) التي صعدت بها من حضيض صاحبة مقهي للملذات الي صورة زاهية لمجاهدة تروي حولها الروايات وويرصد بعد ذلك تحولها في نظر الثوار زنديقة تستحق الموت عند اكتشاف ماضيها ثم ارتفاعها الي مرتبة الشهيدة بعد اعلان المتقي ذلك وعدم جواز محاكمتها بماضيها. ومن مظاهر الأساطير ذلك العطر المسمي ريح الجنة الذي يتداوله اتباع المتقي مع
تته الراوي ميخائيل بك نفسه في الخاتمة. وهكذا نجد الرواية محاطة من كل الاتجاهات بالعناصر الأسطورية ووقائع التاريخ الحقيقي المحور داخل النص ليخدم النص ويحقق أهدافه، والرواية بذلك تتماهي مع موضوعها الذي أختارته ويلتحم متخيلها مع واقعها المحور بحيث يصعب فض الاشتباك وهو ما اراده الكاتب. لكن سفره في التاريخ والاسطورة والخيال لم يكن سفرا بلا غاية ولاهدف بل كان سفرا لاعادة قراءة التاريخ والحاضر وهو تاريخ ممتد في مستقبل بات حاضرا وسيمسي تاريخا في قريب عاجل.أن اختيار الكاتب لشخصية الراوي ميخائيل بك وتسليمه دفة السرد من بداية الرواية حتي ختامها لم يأت اعتباطا، بل هو أمر مقصود، فشخصية ميخائيل بك شخصية كاركتيرية، وقد أعتمد الكاتب المفارقة في السرد المروي بلسانها، لذلك فان من يصدق كل ما تقوله هذه الشخصية تغيب عنه رسالة النص الجمالية والمعرفية، فالجلاد لايصلح شاهدا علي الضحية، والخصم لايصلح حكما،ولايصلح راوية للتاريخ، لان روايته للتاريخ ، مهما حاول ان يكون منصفا هي شهادة بعين واحدة وصوت واحد عن حدث متعدد الجوانب والشخوص والسير والأحداث. صلاح الدين سر الختم علي
القاهرة 22/4/2012

فانتازيا المكان/ مظاهر الميثولوجيا في رواية توترات القبطي / الجزء الثالث من الدراسة
‏21 أبريل، 2012‏، الساعة ‏11:00 صباحاً‏
دراسة نقدية
أمير تاج السر ومغازلة التاريخ و
3 فانتازيا المكان في توترات القبطي
صلاح الدين سرالختم علي
الجزء الثالث من الدراسة
مظاهر الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى
في هذا المحور من الدراسة نتابع تحليل وتفكيك بنية نص توترات القبطي لامير تاج السر وفق منهجية محددة تبتغي بالاشتغال علي النص الروائي انتاج معرفة بالنص من خلال محاورته والكشف فيه عن مضمره وعن آليات وشروط انتاجه، ومحور الحكايات  الاسطورية أو العجيبة أو العجائبية(الميثولوجيا) محور مهم للتعرف علي النص والتعريف به ، فالنص يعج بالاساطير ومظاهرها وتجلياتها وهي لم تحشد حشدا عشوائيا،كما سنبين، بل لها وظيفة محددة، في هذا المحور من الدراسة.نحاول التعريف بالمصطلح والبحث عن مظاهر وتجليات الميثولوجيا فى رواية توترات القبطى وبعد ذلك نستعين بالنص الروائى في تتبعنا لتلك التجليات والمظاهر، قاصدين بذلك أبراز منهجية البحث وفروضه وما آلت اليه في الختام.
والميثولوجيا تعنى الاساطير والكرامات والخرافات وكل فكر مناقض للفكر العقلانى ) (1)واذا ارتبطت الميثولوجيا بحياة العوام اساسا الا انها وظفت حتى فى العصر الحديث فى السياسة لدرجة انها شكلت على سبيل المثال لب المشروع الصهيونى الذى تمخض عن تأسيس دولة اسرائيل ، وبرغم إستنادها الى الخيال فهى تنطوى على حقائق تاريخية ثانويةفى طياتها الامر الذى اهلها لتكون احد مصادر علم التاريخ ، ومع انها وليدة تفكير العوام ، فقد عبرت عنه فى  لغات رامزة لها ، وقد اعتبرها البعض نوعا من الفلسفة البدائية تـأسيسا على شمولية رؤاها . لذلك اصبحت موضوعا للبحث والدرس والاستقصاء والتحليل والاستنباط من قبل المؤرخين والفلاسفة وعلماء النفس باعتبارها معرفة غاية فى الثراء والتعقيد ، وبالغة الاهمية فى دلالاتها كابداع جمعى عرفته المجتمعات الانسانية قاطبة طوال تاريخها . وهى تجمع بين المعقول والا معقول ، وبين الواقع والخيال ، وبين الوقائع السلوكية والمثل العليا.
 وتنطوى الميثولوجيا علي بعد ديني، خصوصا ما تعلق ب(الكرامة) التي هي وثيقة الارتباط بالاسطورة، من حيث نشأتهما معا  في مناخ اجتماعي واحد، تبادلا  من خلاله آلية التأثير والتأثر، هذا فضلا عن تمحور كل منهما حول (البطل) ذي القدرات الخارقة التي تتجاوز منطق الواقع وقوانين الزمان والمكان،ليحقق الحلم الجمعي وفق ارادته المطلقة. كما اشتركتا في الطابع الخيالي واللغة الرامزة المقنعة والموحية دون تصريح. وقد تناول ابن خلدون في مقدمته موضوع الكرامات والسحر والشعوذة واعتبرها علما سماه ( علوم السحر والطلسمات). وآمن ميكافيلي بان المنجمين وقراء الطالع استطاعوا التنبؤ بالكوارث الكبري قبل حدوثها.
وتعد السير والملاحم الشعبية أهم ما ابدعه العقل الجمعي والوجدان الشعبي صلة بالتاريخ ، بالرغم مما تنطوي عليه من خيال، اذ تدور حول سير ابطال وملاحم شعوب كان لهم وجود حقيقي في صياغة التاريخ.(2(
1– د . محمود اسماعيل / الاسطغرافيا و الميثولوجيا / رؤية للنشر 2009
2-أرنست كاسيرو/ الدولة والاسطورة/ الترجمة العربية.
الحكاية العجائبيةأوالعجيبةأو الاسطورة  وكيفية بنائها: 
ثمة ارتباك  بين النقاد في استخدام المصطلح لوصف الاسطورة أو الحكاية الخرافية، فبعضهم أستخدم مصطلح الحكاية العجائبية* أوالحكاية العجيبة وبعضهم أستخدم مصطلح (الحكاية العجيبة ) فقط** وبعضهم أستخدم مصطلح الميثولوجيا***، ويفسر الناقد سعد يقطين الحكي العجائبي بانه الخرافي حين يقول:( يقصد بالحكي العجائبي (الخرافي) مختلف الأنماط الحكائية السردية التي تتشكل منها الحكاية العجائبية، العجائبي نمط سردي يمكن ان يحضر في الحكاية العجيبة أو السيرة الشعبية أو الرواية أو افلام الرعب.)****
وتبني الحكاية الخرافية أو العجيبة أو الميثولوجية  من حيث الشكل الهيكلي علي بناء ثلاثي المظهر، حيث تبتدئ بحدوث نقص ما يؤدي الي خروج البطل عن عالمه المألوف الي العالم المجهول.
ويكون ذلك النقص مرضا أو حادثا أو مسخا......الخ.
ثم تبني الحكاية العجيبة علي الفعل الخارق للبطل كرد فعل علي النقص، وتستند علي تركيب سردي يقوم علي المصادفة التي لاتنتقص من قيمة البناء الداخلي للحكاية بقدر ما تدفع الاحداث المتراكمة الي تحقيق الوحدة الملحمية المثالية، مثال ذلك مصادفة ان الغول الذي ينام عاما كاملا في سيرة فاطمة السمحة كان نائما عند حضور أبني عمها حسن وحسين لتحريرها من أسره.
وتقوم الحكاية العجيبة علي تكرار بعض الوحدات الدلالية، الضرر ورفع الضرر، لتبرز قانون التناقض بين القيم الانسانية: الشجاعة والجبن/ التسامح والغيرة/ القناعة والطمع.
أن موضوع رواية(توترات القبطي) بطبيعته موضوع تحفه الأساطير التي ظلت ترافق سيرة الثورة المهدية علي طول الطريق منذ ان كانت نطفة في رحم التاريخ حتي اشتعالها وصيرورتها واقعا وانتصارها وخبو جذوتها وانكسارها وهزيمتها،وحتي بعد ان باتت في ذمة التاريخ، فظلت الأساطير والخرافات تطاردها وتلاحق سيرتها وسيرة ابطالها وقائدها.وأختلطت بعض أكاذيب الحرب النفسية وتزوير التاريخ لخصومها بتلك الاساطير.لذلك فأن الشئ الطبيعي أن يجئ أي نص أدبي يتكئ عليها ويتخذ منها أو من مسرح أحداثها موضوعا له، حافلا
*د سعيد يقطين/السرد العربي/ دار رؤية/2012 .يمثل هذا الاتجاه.
**د سعاد مسكين/ خزانة شهر زاد الأنواع السردية في الف ليلة وليلة/ دار رؤية/   استخدمت هذا المصطلح فقط.
*** د محمود اسماعيل/ الاسطغرافيا والميثولوجيا/ دار رؤية.
****سعد يقطين / الكلام والخبر/ مقدمة للسرد العربي .
بالأساطير هو الآخر، والا  حكم علي نفسه بالموت وفقد قدرته علي الأيهام بواقعيته.فالأسطورة أذا موظفة في رواية (توترات القبطي) توظيفا محكما وتمثل استجابة واعية لشرط من شروط الكتابة الروائية ، وليست ترفا أو استعراضا لعضلات الكاتب، أو شيئا مقحما علي النص من خارجه. نتتبع مظاهر الميثولوجيا في الرواية من داخلها لشرح الأطار النظري عمليا وتبيين مدي مقدرة الرواية ومبدعها علي الاستجابة للأطار النظري.
أولا/شخصية المتقي والتجليات الصوفية
حرص الكاتب حرصا ظاهرا علي ابراز شخصية المتقي قائد الثورة كشخصية أسطورية بحتة،فعلي أمتداد الرواية  لم يبرز المتقي بشخصه في أي مشهد، بل ظل دوما مفهوما وصورة متجلية في ذهن أتباعه وصوتا يأتي من المجهول ليدغدغ مشاعرهم ويلهبها، وظل دوما محورا للحكايات، حتي بالنسبة لمقهور الذي ادعي بنوته له، المتقي ليس أبا عاديا، بل هو صورة ورؤيا وحلم،وهذا التصوير يقارب المفهوم الصوفي للمهدي المنتظر، وقد ظهر التصوف منذ عصر صدر الاسلام متخذا صورة الزهد في الدنيا وترفها، والأمعان في التطهر والنسك والمبالغة في العبادة كرد فعل للأسراف في التمتع بالمباهج الحسية علي إثر الفتوحات الأسلامية وما أسفر عنها من نزعات دنيوية. وخلال القرن الثالث الهجري ،تحول الزهد المتطور الي عقيدة فلسفية تقول بوحدة الوجد وتجعل من الذوق أداة للمعرفة بدلا من العقل عند علماء الكلام والنص عند الفقهاء. وبفضل الحلاج تحول التصوف الي مفهوم ثوري أسلامي يستهدف مواجهة الظلم وتحقيق العدالة. وخلال القرن السادس ظهرت الفرق الصوفية وجندت المريدين والاتباع علي نطاق واسع. وعلي الرغم من انطلاق التصوف من الأسلام إلا انه تحول الي فلكلور في عصور انحطاط الحضارة العربية الاسلامية، فغص بالخرافات والشعوذة والأسراف في تقدير الأولياء الي حد التقديس.
نقتبس من نص التوترات:(و الأسئلة تنكتب في كل ذهن..لماذا لايظهر المتقي لأحبابه علنا، ولماذا يستعرضهم من بين الشقوق، ويجلدهم بالصوت من خلف خيمة، ولايمنحهم نوره الذي يودون أن يمسكوا به)*
(الكارور يفح معلنا بداية خطبة الإمام المتقي، وتحول الجميع الي أذن واحدة تود أن تمتص، وترتبط بذلك الحبل المبارك.)*
ويصر الراوي علي وصف صوت المتقي بأنه حبل وليس صوتا بشريا:( لم يكن صوتا كصوتي ولاصوت أبي ايام كان يملك صوتا، ولاصوت الأمير عبادي طلسم، ولا أي صوت آخر أستمعت اليه في حياتي كلها، كان حبلا غزير الأمتار، شدنا من أعماقنا، ومرغنا في التراب، شدنا من ثيابنا وعرانا، شدنا من رئات التنفس ، ولهث بنا، ورأيت المجندين وقد ترنحوا بلا مرؤة، والمعسكر الكبير، مجرد علبة من علب الصفيح، يتلاعب بها موج بحر هادر.)*
*توترات القبطي / ص154
عندما يصير الصوت حبلا يشد الناس فان صاحب الحبل يصبح أسطورة خارقة وليس أنسانا من لحم ودم
وهكذا يرتفع الراوي بالمتقي الي مصاف الأسطورةويجعل منه شئيا هلاميا غامضا
ويورد الراوي تفسير المتقي لعدم ظهوره لاتباعه فنجد تفسيرا صوفيا بحتا مفاده اتباعه للرؤيا:
(لا نضن عليكم بوجهنا طوعا يا أحباب... ولكن نتبع الرؤيا...نتبع الأمر...حتي يعم الخير..)*
ولايجب ان يغيب عن ذهن من يقرأ وصف المتقي ان  الراوي هو عدو المتقي الذي يروي عنه، لذلك يجب ألا نتقبل كل صورة ووصف، بل ندقق فيما هو كامن من سم في الدسم. ولكن اللافت للنظر ان الكاتب اختار عامدا استبدال اسم المهدي باسم المتقي وفعل الشئ نفسه باسماء الأمكنة والشخوص في الرواية عامدا تحرير الرواية من قيود التاريخ وضيقه ليتثني للرواية محاورة التاريخ بحرية.
ان الكاتب يرسم صورة أسطورية لقائد الثورة عمدا حتي يحقق للنص ثراءه ويصبح للمغزي ظلال تشي به دون بوح ودون مصادرة لخيال القارئ الفسيح.
أسطورة الصبي مقهور المنصورأبن الحلم
وتحتوي الرواية علي أسطورة أخري تشكل أمتدادا لأسطورة المتقي، هي أسطورة الصبي مقهور الذي كان جنديا عاديا في كتيبة من كتائب الثوار، وفجأة أخذ يعلن انه ابن المتقي استنادا علي رؤيا  حضرته ، فهو ابن الحلم المشترك وليس ابنا صلبيا مثل سائر بني البشر والمقصود هنا تكثيف ظلال أسطورة المتقي نفسه بهذه الكرامة من كراماته، ترد السيرة هكذا:( في سرية حاملي القوس والنبال، صبي ذو وجه طفولي مليح، لم يكن يعرف أحد من أين جاء، ولا دلت ملامحه الطفولية المليحة، عن قبيلته ينتمي اليها، وقد تردد همسا وسط جنود الكتيبة، ان مقهور حلم مرات عدة، بأنه ابن منسي للامام المتقي، ولد وتربي بعيدا عنه، وقد اخبره الحلم بانه سيجتمع بأبيه في أحد الايام.)**
يكون رد السلطة الزمنية ممثلة في قواد الكتيبة هو القبض علي الصبي وتعذيبه لاجباره علي الكف عن الهذيان، ويكف الصبي عن الهذيان مؤقتا ثم يقتل حارسا ويهرب، وبعد فترة من الزمن يعلنه المتقي قائدا للجيش محققا بذلك حلمه ومؤكدا مصداقيته ومصداقية الرؤيا التي أدعاها.وهكذا تكتمل الصورة الأسطورية بكرامة من الكرامات.دلالة الاسم مقهور الذي بات منصورا دلالة عميقة تضاف الي جملة المفارقات التي اعتمدها الكاتب في كتابة النص بأكمله.
*توترات القبطي 154
**توترات القبطي 155
ملامح أخري للأسطورة في الرواية
تشابه مصير أنسان وجواد
هناك ملامح أخري لتجليات الأسطورة في الرواية من خلال مقارنة صامتة بين مصير جواد وأنسان هما ميخائيل بك (الراوي) و(مصبح )حواد الحاكم التركي الهالك،  قصة جواد القائد التركي يوسف دامير الذي قتله الثوار في معركة تحرير مدينة السور التي كانت مقرا له،ترد  في الرواية في ص 162 حين يكتشف ميخائيل بك الذي صار اسيرا اسمه سعد المبروك وهو يهئ حصان سيده الجديد القائد عبادي طلسم الحمال السابق، ان ذلك الحصان هو ذاته (مصبح) جواد سيده السابق التركي يوسف دامير حاكم مدينة السور.يقول الراوي لحظة الاكتشاف:(تعرفت علي الجواد، وتعرف علي، وبكينا في صمت..انا اخون دمي الجديد، وأبكي بالدم النصراني القديم ، والجواد يخون اسراجه لحمل الجهادي، ويحن لسيده الذي رحل)*
فالجواد وقع في الأسر مثله مثل ميخائيل وانتقلت ملكيته لممثل السلطة الجديدة
،وهو القائد عبادي طلسم
و هذه صورة أخري 
 بها مفارقة  ولاتخلو من سخرية مريرةو
البعد الجمالي الاخر للنص انه يمكن القارئ من الوقوف علي طبيعة ميخائيل المراوغة المنافقة ودخيلته المملؤة حقدا علي ثورة
سحقت سلطته التي يدين بالوفاء لها ويكتمه.
حكاية الطفل الصيني الذي ولد بحي ونسة
في الرواية ملمح آخر للاسطورة ممثلا في قصة طفل صيني الملامح ولد في حي ونسة الفقير الكائن باطراف مدينة السور والذي تنشط به بيوت البغاء العلنية:( في تلك البقعة، ولد طفل صيني، لايعرف أحد من أبوه، ولم يدخل السور منذ انشائها صيني قط، ولا استطاع أحد تفسير تلك الملامح، شك علماء الدين في كونه المسيح الدجال الذي يظهر عند نهاية الدنيا، ووزعوا الاضطراب في خطب المساجد، وفي النهاية سموه الغريب.)**
وفي هذه الحكاية أشارة تربط المتقي بفكرة المسيح الدجال بلا شك. وهي أشارة مقصودة فالسلطة الآفلة ممثلة في مخائيل بك لاتريد ان تقبل بالتفسير البسيط المباشر لاسباب نجاح ثورة( المتقي) عليها وهو كونها سلطة استعمارية نهبت خيرات البلاد وطمست هويتها وأرهقت كاهل أهلها بالضرائب، وتريد السلطة المهزومة اللجوء الي تفسيرات غيبية للظواهر الاجتماعية، انكارا للثابت والحقيقي والظاهر.
*التوترات /ص 162
**التوترات ص 166
وهناك تجليات أخري كثيرة للاسطوري في الرواية منها اعتقاد الناس بان صديد جرح الجندي الذي جرحه الصبي مقهور يشفي المرضي ويحقق المعجزات فيتهافتون علي ذلك الصديد ويروجون قصصا خيالية عنه، ومن ذلك الشحصية الأسطورية (ضو القناديل) التي تسترت خلفها (نديمة مشغول) التي صعدت بها من حضيض صاحبة مقهي للملذات الي صورة زاهية لمجاهدة تروي حولها الروايات وويرصد بعد ذلك تحولها في نظر الثوار زنديقة تستحق الموت عند اكتشاف ماضيها ثم ارتفاعها الي مرتبة الشهيدة بعد اعلان المتقي ذلك وعدم جواز محاكمتها بماضيها. ومن مظاهر الأساطير ذلك العطر المسمي ريح الجنة الذي يتداوله اتباع المتقي معتقدين في ذلك. وهناك أسطورة النعناعة (خميلة جماري) سابقا التي باتت وعاء ناقلا لمرض عجيب فتك بعبادي طلسم ثم أصابت جرثومته الراوي ميخائيل بك نفسه في الخاتمة.
وهكذا نجد الرواية محاطة من كل الاتجاهات بالعناصر الأسطورية  ووقائع التاريخ الحقيقي المحور داخل النص ليخدم  النص ويحقق أهدافه، والرواية بذلك تتماهي مع موضوعها الذي أختارته ويلتحم متخيلها مع واقعها المحور بحيث يصعب فض الاشتباك وهو ما اراده الكاتب. لكن سفره في التاريخ والاسطورة والخيال لم يكن سفرا بلا غاية ولاهدف بل كان سفرا لاعادة قراءة التاريخ والحاضر وهو تاريخ ممتد في مستقبل بات حاضرا وسيمسي تاريخا في قريب عاجل.أن اختيار الكاتب لشخصية الراوي ميخائيل بك وتسليمه دفة السرد من بداية الرواية حتي ختامها لم يأت اعتباطا، بل هو أمر مقصود، فشخصية ميخائيل بك شخصية كاركتيرية، وقد أعتمد الكاتب المفارقة في السرد المروي بلسانها، لذلك فان من يصدق كل ما تقوله هذه الشخصية تغيب عنه رسالة النص الجمالية والمعرفية، فالجلاد لايصلح شاهدا علي الضحية، والخصم لايصلح حكما،ولايصلح راوية للتاريخ، لان روايته للتاريخ ، مهما حاول ان يكون منصفا هي شهادة بعين واحدة وصوت واحد عن حدث متعدد الجوانب والشخوص والسير والأحداث.
 صلاح الدين سر الختم علي
القاهرة 22/4/2012