ماكنت أريد الكتابة في هذا الموضوع لاسباب عديدة اهمها أن كثير من الناس سيتحسسون مسدساتهم ويعتقدون لسبب أو آخر أنهم المعنيون ، ولكن الموضوع سد نفسي من الكتابة وبخاصة الكتابة النقدية وسد نفسي من المجموعات فتثاقلت خطاى عنها ووجدتنى نافرا من العديد منها بقدر ما كنت نهما ونشطا ومتفاعلا، يكتب البعض نصوصا ادبية وينشرها ثم يمسي شرطيا يحمل هراوة يلهب بها ظهور كل من يبدى رايا لايعجبه في النص وينصب نفسه ناقدا شارحا لنصه الفريد ومقاصده وروعته التى لاتجدها الا في كلماته الملئية بالاعجاب بالذات ، صدورهم ضيقة، يشعرون بانك خلعت عنهم كل مايلبسون وتركتهم عراة في الشارع العام حين تناولت نصهم بالتشريح ، فكل نقص مشار اليه هو ذم وكل مدح متوقع حجبته هو موقف عدائي وقسوة !! هم يريدون نقدا وناقدا يمسح على ظهور نصوص عرجاء كمايمسح الناس على ظهر قطة مدللة،لديهم احساس غير مبرر بالتفوق والنبوغ وقداسة نصوصهم الخاوية على عروشها وعدم قابليتها لاى انتقاص من قدرها العالى، يلهثون خلف النقاد ليكتبوا عنهم ويضعوهم في دئرة الضوء ،وحين يكتبوا يديرون ظهورهم في تعال ويصطنعون الدهشة والبراءة و التواضع الزائف إذا كتبوا ما وافق نرجسيتهم الكامنة، اما إذا كانت الكتابة تشريحا قاسيا فويل للكاتب من سكاكينهم . الكتابة النقدية عندى في الحقيقة حالة ابداعية مثل نصوص القصة والرواية والقصة القصيرة جدا، هى لحظة صدق فائضة، لحظة يبلغ الانفعال فيها مع النص حدا تنهار معه السدود واشعر بالحاجة لمشاركته مع الآخرين،وحدث كثيرا ان كتبت عن نصوص لا اعرف كتابها لكننى وقعت في غوايتها او وجدت فيها شيئا يصلح لعرض الأفكار حول النوع الأدبي الذى كتبت تحت مظلته بما يحقق الفائدة والفهم لفنون كتابته وقواعده والتعريف به، أحيانا تكون كراسة ملئية بالأخطاء اكثر فائدة وتقريبا للمعنى الذى يراد ايصاله من كراسة خالية من الاخطاء لتلميذ نجيب، والنصوص كراسات تشتمل في طياتها تجارب ابداعية تتجاوز كراسات التلامذة بكونها ابداع اصيل وليست ناتج املاء المعلم.وهذا الابداع مثله مثل كل جهد بشري ، فيه مواقع ضعف ومواقع قوة، وفيه مواقع إجادة وموقع إخفاق، فلماذا يطالب بعض من يكتب النقاد بالتصفيق فقط ويمنعونهم الصفير؟!، لماذا يمارس بعض المثقفين دورا تمارسه بعض الحكومات يقضى بتدجين المفكرين وتحويلهم الى جوقة إنشاد ملكية تسبح بحمد السلطة فيطلبوا من النقاد أن يتحولوا الى سدنة للنص وكاتبه؟ولماذا يريدون جعل النقد مرادفا للمدح والتطبيل الأجوف وغض الطرف عن عورة النصوص البادية؟ وليس الأمر قاصرا على كتاب النصوص ، بل هناك الكثير من المثقفين يمارسون النقد المجامل ( تحت الطلب) لسبب أو آخر، وبصور مختلفة ، اكثرها انتشارا تلك الشهادات التى توزع بكرم حاتمى في المجموعات لنصوص شاحبة وباهتة متوجة إياها على عروش زائفة.
مدونة خاصة ببحوث وكتابات الكاتب /صلاح الدين سر الختم على النقدية
Friday, May 29, 2015
( النقد الملاكى) ( تحت الطلب)
ماكنت أريد الكتابة في هذا الموضوع لاسباب عديدة اهمها أن كثير من الناس سيتحسسون مسدساتهم ويعتقدون لسبب أو آخر أنهم المعنيون ، ولكن الموضوع سد نفسي من الكتابة وبخاصة الكتابة النقدية وسد نفسي من المجموعات فتثاقلت خطاى عنها ووجدتنى نافرا من العديد منها بقدر ما كنت نهما ونشطا ومتفاعلا، يكتب البعض نصوصا ادبية وينشرها ثم يمسي شرطيا يحمل هراوة يلهب بها ظهور كل من يبدى رايا لايعجبه في النص وينصب نفسه ناقدا شارحا لنصه الفريد ومقاصده وروعته التى لاتجدها الا في كلماته الملئية بالاعجاب بالذات ، صدورهم ضيقة، يشعرون بانك خلعت عنهم كل مايلبسون وتركتهم عراة في الشارع العام حين تناولت نصهم بالتشريح ، فكل نقص مشار اليه هو ذم وكل مدح متوقع حجبته هو موقف عدائي وقسوة !! هم يريدون نقدا وناقدا يمسح على ظهور نصوص عرجاء كمايمسح الناس على ظهر قطة مدللة،لديهم احساس غير مبرر بالتفوق والنبوغ وقداسة نصوصهم الخاوية على عروشها وعدم قابليتها لاى انتقاص من قدرها العالى، يلهثون خلف النقاد ليكتبوا عنهم ويضعوهم في دئرة الضوء ،وحين يكتبوا يديرون ظهورهم في تعال ويصطنعون الدهشة والبراءة و التواضع الزائف إذا كتبوا ما وافق نرجسيتهم الكامنة، اما إذا كانت الكتابة تشريحا قاسيا فويل للكاتب من سكاكينهم . الكتابة النقدية عندى في الحقيقة حالة ابداعية مثل نصوص القصة والرواية والقصة القصيرة جدا، هى لحظة صدق فائضة، لحظة يبلغ الانفعال فيها مع النص حدا تنهار معه السدود واشعر بالحاجة لمشاركته مع الآخرين،وحدث كثيرا ان كتبت عن نصوص لا اعرف كتابها لكننى وقعت في غوايتها او وجدت فيها شيئا يصلح لعرض الأفكار حول النوع الأدبي الذى كتبت تحت مظلته بما يحقق الفائدة والفهم لفنون كتابته وقواعده والتعريف به، أحيانا تكون كراسة ملئية بالأخطاء اكثر فائدة وتقريبا للمعنى الذى يراد ايصاله من كراسة خالية من الاخطاء لتلميذ نجيب، والنصوص كراسات تشتمل في طياتها تجارب ابداعية تتجاوز كراسات التلامذة بكونها ابداع اصيل وليست ناتج املاء المعلم.وهذا الابداع مثله مثل كل جهد بشري ، فيه مواقع ضعف ومواقع قوة، وفيه مواقع إجادة وموقع إخفاق، فلماذا يطالب بعض من يكتب النقاد بالتصفيق فقط ويمنعونهم الصفير؟!، لماذا يمارس بعض المثقفين دورا تمارسه بعض الحكومات يقضى بتدجين المفكرين وتحويلهم الى جوقة إنشاد ملكية تسبح بحمد السلطة فيطلبوا من النقاد أن يتحولوا الى سدنة للنص وكاتبه؟ولماذا يريدون جعل النقد مرادفا للمدح والتطبيل الأجوف وغض الطرف عن عورة النصوص البادية؟ وليس الأمر قاصرا على كتاب النصوص ، بل هناك الكثير من المثقفين يمارسون النقد المجامل ( تحت الطلب) لسبب أو آخر، وبصور مختلفة ، اكثرها انتشارا تلك الشهادات التى توزع بكرم حاتمى في المجموعات لنصوص شاحبة وباهتة متوجة إياها على عروش زائفة.
Tuesday, April 7, 2015
شوق الدرويش رواية الاتكاء على التاريخ بطل الرواية (بخيت منديل)والهجرة بين عبودية الجسد وعبودية الروح وقصور الوهم
شوق
الدرويش رواية الاتكاء على التاريخ
بطل الرواية (بخيت منديل)والهجرة بين عبودية الجسد وعبودية الروح وقصور الوهم
بقلم / صلاح الدين سرالختم على
رواية(شوق الدرويش) للكاتب حمور زيادة** الصادرة عن دار العين في 2014 رواية تغازل المسكوت عنه وتقاربه بقوة من مواقع وزوايا مختلفة، يتموضع الراوي داخل الرواية التي تدور أحداثها في القرن التاسع عشر بمدينة أمدرمان إبان الثورة المهدية، يروي الراوي حكايات أناس عاديين عاشوا تلك الأيام في مزج فريد بين وقائع التاريخ المحورة روائياً وبين المتخيل الروائي المبدع بواسطة الكاتب،فالكاتب لايكتب تاريخاً بعين واحدة ولسان واحد كما ظن البعض ، بل يكتب رواية من وجهات نظر الشخوص التي تتحرك في فضائها السردي بحسب مواقعهم ومواقفهم من الأحداث المنسوجة من وحي الخيال بالاشتغال على وقائع تاريخية تمسي داخل العمل الروائي قطرة في بحر هائج، ولاتعود بعد دخولها في الرواية تاريخاً، بل عنصراً من عناصر العمل الفني تبرره الضرورة الفنية وتحدد كيفية التعامل معه مواقع الرواة وتموضعهم، فواقعة مثل ثورة المهدي يختلف النظر فيها وإليها باختلاف موقع المتحدث عنها والناظرإليها ، فوجهة نظر أمرائها لايمكن أن تتطابق مع وجهة نظر أسراها وقتلاها وأعدائها والعكس صحيح،الروائي ليس مطلوباً منه كتابة بيان تأييد ولا بيان إدانة بل المطلوب منه كتابة رواية وفق شروط كتابة الرواية،بما في ذلك التماهي مع موقع الراوي ولو كان قوله غير مقبولٍ من وجهة نظر مغايرة.فالقول داخل الرواية تبرره الضرورة الفنية ولا تبرره حقائق التاريخ المكتوبة من موقع مختلف وبمنهج مختلف.كان الكاتب جريئاً في رسم شخصيات مأزومة في الرواية مثل شخصيتي (بخيت منديل) و(الحسن الجريفاوي)اللتين باتتا على طرفي نقيض مع فكرة المهدية التي آمنتا بها وقاتلتا تحت راياتها بسبب صراع الفكرة مع الواقع، وكانت أزمة كل منهما مبررة ومنطقية في حدود شخصيتها والأثقال التي ترزح تحتها الشخصية وتئن ، ولم تكن الأزمة مفتعلة ولا مقحمة على الأحداث ومنطقها من خارجها.فبينما كان (بخيت) يرزح تحت وطأة وهم مستحيل هو حبه لراهبة أسيرة ذاقت ما ذاقت على يد الثورة كونها في المعسكر الآخر، فجعل بخيت الجهادي السابق في صفوف الثورة من نفسه أداة لسفك دماء من قتلوا حبيبته المتوهمة،منتقلاً عملياً إلى المعسكر الآخر، كان الحسن الجريفاوي يرزح تحت وطأة عبء حقيقي سببه جرائم حرب ارتكبها بحق ضحايا مدنية في (المتمة )وغيرها من الأمكنة أثناء ما كان يؤمن به بأنه جهاد مقدس.ظلت صورة تلك الطفلة التي أزهق روحها تلاحقه وتمنع عنه سكينة الروح التي بحث عنها في الجهاد، فتزعزع إيمانه بالفكرة.وجوه الشبه بين الحسن الجريفاوي وبخيت منديل كثيرة، فكلاهما آمن بالمهدية وقاتل تحت رايتها ثم كفر بها وعانى ، لكنهما يختلفان في أن الحسن كان حراً وآمن بالفكرة من موقع ديني وصوفي، بينما بخيت كان راسفاً في أغلال العبودية وآمن بالفكرة كبوابة للحرية الشخصية،هكذا ينزل الكاتب بالفكرة من المطلق المثالي المجرد إلى الواقعي الملموس الذي تجسده شخصيات من لحم ودم تنتمي إلى تلك الأيام فيصورها في حوارها وكفاحها في قلب الأحداث وتأثرها المباشر بها من مواقع مختلفة تختلف عن مواقع الرواة والمؤرخين الذين يكتبون التاريخ بدم بارد وأنامل لم تتسخ بغبار المعارك، وآذان لم تسمع صليل السيوف ويصدرون قرارات بشأن وقائع لاتؤثر على مصائرهم الشخصية تأثيراً مباشراً مثل المعاصرين.وإذا كان المتخيل ينشأ على المادة التاريخية أو الفعل المنجز بشكل عام، فهو لايعطي قيمة كبيرة للحقيقة التاريخية كحقيقة مطلقة، ولكن كاستعارة لشئ تسيد وانتفى وصار جزءاً من الذاكرة الجمعية ووظيفته في النص الروائي هي أقرب إلى الإيهام والاحتمال البعيد منها إلى الحقيقة الثابتة. لهذا فاختبار هذه الحقيقة ومساءلتها خارج السرد يعد ضرباً من الاستحالة.فواقع الرواية يبقى واقعاً خاصاً لاتنتجه إلا هي، حتى وإن اعتمد هذا الواقع على عالم خارجي حقيقي، فهو يتشكل داخل الروايةتشكلاً خاصاً يمنحه خصوصية ونوعاً من الانفصال عن الواقع الذي يمثله.
حين نتتبع بناء شخصية البطل (بخيت منديل) مثلاً،نجد طفولة بائسة انتهت باختطافه من بين أهله في جبال النوبة، ثم عرضه في سوق الرقيق في مشهد يحمل في طياته وصمة العار التي ألحقها ذلك الفعل القبيح بالإنسانية . يسهب الراوي في وصف معاينة مهينة للبضاعة لاتستثنى شيئاً من جسد الضحية الذي بات مملوكاً لأجنبي شاذ جنسياً يريد آلة تشبع شهوته المريضة. ويرسف بخيت في هذا الوضع خمسة أعوام ، ثم ينتقل سعيداً ليصبح عبداً منزلياً عند مالك جديد، وحين تهب عاصفة ثورة المهدي يصبح بخيت حراً ويلتحق بجيش المجاهدين فيقع في الأسر في مصر بعد هزيمة الجيش ليعود إلى العبودية.ثم يعود إلى بلاده حراً بمنحة من سيده المصري. ويعمل أعمالاً حرة عديدة من بينها العمل حفاراً للقبور. ويلتقي بالراهبة الأسيرة( ثيودورا) المصرية من أصل يوناني ،فيتعلق بها ويعشقها عشقاً من جانب واحد، ليلج عبودية من نوع جديد متعلقاً بوهم مستحيل، يقوده الوهم إلى سجن الساير في قلب أمدرمان بتهمة شرب الخمر والتجول في الشوارع بعد سماعه خبر مقتل الراهبة على يد من أغروها بمحاولة الفرار من الأسر ثم سلموها للقتلة، داخل سجنه يحصي الأيام للخروج والاقتصاص من القتلة، ويحصل بخيت على حريته هذه المرة بفعل الجيوش الأجنبية التي غزت البلاد وأعادت استعمارها،
((أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم، مع دخول الجيش المصري للبلاد)الرواية.
لكن الغزاة لم يحرروهم في الحقيقة لأن تحريرهم ليس من بين اهتماماتهم(دخل المصريون أمدرمان، وجاء إلى السجن جماعة من النصارى والمصريين، أطلقوا سراح بعض من يعرفون من أكابر الناس ، تركوهم)ص 11.
بعد خروجه من السحن ينفذ (بخيت) انتقامه ويقع أخيراً في قبضة مطارديه بعد قتل خمسة من ستة كانوا على لائحته الانتقامية. يبدو( بخيت منديل) شخصاً مسحوراً منجذباً خلف وهم من صنعه يريد الاستعاضة به عن حياة حقيقية لم تمنحه سوى العبودية والاضطهاد والغيبوبة الدائمة)فقد كان يعاقر الخمر بصورة دائمة(، ويبدو العاشق صوفياً في حلقة ذكر ، ويذكرنا وصفه بالدرويش برائعة الفيتوري:
(في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق)
شخصيةمريسيلة:شخصية مرسومة بدقة شديدة في الرواية وهي تحب بخيت حباً صادقاً ، لكنه مشغول عنها بحبه المستحيل الوهمي للراهبة التي لاتحبه.مريسيلة كانت إيجابية وقادرة على الفعل أكثر من (ثيودورا) التي تمثل (الوهم).(مريسيلة) و(ثيودورا ) مثلتا ثنائية الواقع والوهم في الرواية.لذلك تنتمي ثيودورا إلى أرض الأساطير ( بلاد اليونان).بينما نجد مريسيلة متجذرة في الواقع،فهي أمة سوداء شابة و بائعة خمر (المريسة) وهي نوع من الخمور البلدية في السودان، وهي قارئة الودع ومدبرة صفقات الهوى وخاطبة الحلال والحرام، ومعينة الهاربين و تاجرة العقود والسلاسل والوصفات السحرية للحب، وهي منقذة سبع نساء من مشنقة السوق، وهي التي أذلت حامل راية أحد الأمراء أمام المسجد على مرأى من خليفة المهدي. وهي التي مكنت بخيت من الانتقام من خمسة ممن قتلوا ثيودورا فقد وفرت له السلاح والمعلومات.
شخصيةيونس عسكري الجهادية: غريم متوهم لبخيت منديل استغلت الراهبة ثيودورا مشاعره نحوها وطمعه في المال وصلتها القديمة به حيث كان حارساً لقافلة جلبتها من سواكن إلى بربر،وذلك لاستخدامه في الهروب من الأسر، لكن بخيت كان يظنها وقعت في غرامه ولم يفهم سبب توددها إلى يونس. يونس واقعي قال عن سبب دخوله السجن)جاء بي الطمع.( في إشارة إلى) محاولة تهريب الراهبة(.وهو مرسوم بعناية ومغروس في الرواية منذ الصفحات الأولى حيث رافق البطلة ثيودورا في رحلة القدوم من سواكن إلى بربر، ثم رافقها في رحلتها الأخيرة نحو السماء.
شخصية الشيخ إبراهيم ود الشواك:
شخصية انتهازية تلبس لكل حالة لبوسها ودينها هو الربح واللعب على كل الحبال خدمة لمصالحه؛ فقد غازل المستعمر وخدمه وغازل ثوار المهدية ثم تخلى عنهم، وغازل المستعمر عند سقوط المهدية . هذه الجملة الصادرة عنه تلخص شخصيته وتفكيره بدقة)لو كان لزاماً علينا أن نلبس طربوش النصارى ونغير لون جلودنا فلنفعل.المهدية راحت يا ولدي. هذا أمر الله(.ص 55. انتهى الشيخ قتيلاً على يد بخيت منديل انتقاماً لمقتل حواء )ثيودورا( التي اتخذها الشيخ محظية عندما وقعت في أسر الخليفة وحاول اغتصابها في بيته وحين صدته أخضعها لعملية ختان قسرية ، ثم شارك في قتلها حين حاولت الهرب من الأسر.وعلم بخيت بمقتلها مصادفة من سكران في بيت خمرة ثرثر بتفاصيل الجريمة ليدرك بخيت أنهم استغفلوه وجعلوه يحفر قبرها بيده جاهلاً من تكون،.تحول العبد إلى اداة قتل لامشاعر لها،فقد كان مؤمناً بمشروعية ما يفعل إيماناً مريضاً) أنا لست هارباً.أنا الموت.مني يفر الناس( ص97.يقول عن نفسه بعد جريمته الأخيرة:
(ما فعله كان وحشياً حتى هو ما كان ليتحمل ما فعل لو لم يكن في سبيلها.حين كان يرى الإعدام في مشنقة السوق كان يرجع كأرنب صغير. يهرب من وحشية العالم إلى دفء حضورها.) ص 94. لقد خرج من عبودية السجن والسادة إلى عبودية المحبوبة!!حين ظن أنه حقق ذاته ، كانت الحقيقة أنه دخل اغتراباً جديداً وفتح زنزانة في داخله.
هل يبصر الأعمى؟! ((شوق الدرويش) و
التناص مع رواية (العطر الفرنسي )لأمير تاج السر
تبدو شخصية بخيت منديل وتعلقه بثيودورا تجسيداً متجدداً لعلاقة الشرق والغرب، فهي علاقة مريضة عامرة بالأوهام المتبادلة ، وهى التجسيد الحي لعلاقة الشرق بالغرب التي عالجتها رواية موسم الهجرة للطيب صالح عبر تجسيد (مصطفى سعيد)في علاقاته النسائية التي فضحت كون الصراع هو خلفية العلاقة .
فحين خاطبه القاضي الإنكليزي متهماً إياه بأن في تكوينه الروحي بقعة مظلمة، كان ذلك امتداداً لعصور من الاستعلاء والتعصب والنظرة الاستعلائية الأوربية للآخرين.وتكرر الأمر نفسه،حين حاكمت (ثيودورا ) (بخيت منديل) بذات الاستعلاء في الرواية في أكثرمن موقع:تقول (ثيودورا) لبخيت منديل في الرواية بيأس مطلق وهي تحاول إفاقته من وهم حبه لها وحلمه بها:
(أنت لاتفهم .أنت أعمى)
في ذلك تصوير دقيق لحالة (بخيت منديل) العاجز عن رؤية الحواجز الواقعية القائمة بينهما، فهو عاجز عن رؤية حاجز الدين وحاجز اللون وحاجز الثقافة وحاجز الكراهية بين السجان والسجين،وهو عاجز حتى عن فهم الحقيقة المرة لما تقوله له بلطف( مستحيل أن يحب مثلي مثلك.)فهي في أعماقها كما يتضح من رسائلها إلى أهلها عنصرية تبغض السود ولاترى فيهم سوى برابرة وخراف سوداء للرب، ولا تتصور مطلقاً علاقة زواج تربطها به، فتقول(هي رسولة الرب في بلاد الغنم.هل تعشق القديسة الغنم؟)وتقول لنفسها(لاتريد أطفالا سوداً يؤمنون بدرويش ميت يحلمون بغزو العالم، لن يكون زوجها عبداً أسودَ)ص 418 الرواية. لكن العمى لم يفارق (بخيت منديل ( (عمى البصيرة( ، فأنفق عمره في مطاردة الوهم، وحين تبدد الوهم بموتها تحول إلى أداة للقتل ومدمن لطيف كذوب هو تجسيد لسيطرة الوهم عليه . وفي ذلك تصوير بديع لحالة التطرف الذي يعمي بصيرة وبصر من يقع في حبائله وتجسيد للإدمان المرضي، يبدو )بخيت منديل( في مطاردته للوهم مشابهاً لشخصية )علي جرجار( في رواية )العطر الفرنسي( للروائي السوداني )أمير تاج السر( المكتوبة في العام2010.فكلاهما وطني مغلوب على أمره تعلق بوهم خارجي هو امرأة أجنبية مع فارق بسيط هو أن الممرضة الفرنسية كاتيا في (العطر الفرنسي) كانت وهماً ليس له وجود مادي خارج مخيلة (علي جرجار) ، بينما كانت الراهبة )ثيودورا( حبيبة بخيت منديل المتوهمة في )شوق الدرويش( امرأة من لحم ودم، ولها وجود موضوعي خارج مخيلة بخيت وحبها هو الوهم. وانتهى البطلان إلى ارتكاب جريمة القتل نتيجة لسيطرة الوهم عليهما.وموضوع الروايتين واحد هو التعصب وأثره.مع العلم أن منهجية كتابة (شوق الدرويش) مماثلة لمنهجية كتابة (أمير تاج السر) في رواياته: (مهر الصياح)و(توترات القبطي) و (أرض السودان الحلو والمر)التي تعاطت التاريخ كمادة خام للرواية وأعملت الخيال فيه تحويراً وصناعة لرواية معاصرة ليست محاضرة في التاريخ وليست سيرة .لذلك لايمكن تسمية الروايات المذكورة بالروايات التاريخية، فتلك تسمية غير دقيقة، والصحيح أنها روايات من صنع خيال فسيح.فالرواية تبقى رواية بغض النظر عن موضوعها وزمن جريان أحداثها. عندما نشير إلى التناص هنا بوصفه مصطلحاً يستعمل للدلالة على (الحضور الفعلي لنص في آخر) فحسب النظرية كل نص هو بشكل و بآخر امتصاص وتحويل لنصوص أخرى، والرواية عامرة بصور متعددة للتناص. استحقت الرواية في تقديري فوزها بجائزة نجيب محفوظ للرواية في عام 2014، وتستحق المنافسة على لمركز الأول لجائزة البوكر العربية 2015 في مايو القادم.فالرواية عمل فني كبير بذل فيه كاتبه عصارة فكره وجهده ، وتسلح بمراجع شكلت مادته الخام التي سكب فيها قدراته وخبراته ، فخرجت الرواية إلى النور ترفل في ثوب قشيب وهي جديرة بالاطلاع عليها والبحث في بحورها. وقد انطوت معظم الانتقادات التي وجهت للرواية على خلط واضح بين كتابة الرواية وكتابة التاريخ، وحوكمت الرواية من خارج النص الروائي في خلط بين قول الشخصيات وقول المؤرخين والتاريخ . الرواية يجب النظر إليها في إطار النص الروائي .***إن الإضافة في الرواية التي تتكئ على التاريخ هي التي تجعل مايروى رواية وليس تاريخاً،ذلك أن جهد المبدع الأساسي يبرزه المتخيل الروائي، وتبرز قدراته الخلاقة وتتجلى في ما يفعله بالنص التاريخي فيحيله من برودة لمتاحف وسكونها، ومن جمود صفحات التاريخ والسيرة وزوايا رؤيته الضيقة إلى رحاب الفضاء السردي والإبداعي الفسيح. إن الرواية هي فعل إحياء لاحدود له ولاكوابح،إن التحوير يفرز حرية الإبداع ويطلق لخيال كاتب النص وقارئه العنان، ويجعل الكتابة إبداعاً لا تسجيلاً وتدويناً وجمعاً للأحداث مثل التحقيقات الصحفية، ويجعل القراءة لذة ومتعة، وخيالاً فسيحاً واكتشافاً دائماً، وليست قراءة كسولة يغذيها الفضول مثل قراءة صفحات الحوادث.لذلك فإن مجرد الاجتهاد لإثبات أن الرواية حورت التاريخ أو زيفته هو فعل معاد للإبداع مهما حسنت النوايا، وهو معركة في غير معترك.ذلك أن محاكمة الرواية تكون من داخلها ووفقاً لشروط إنتاجها وتقنيات كتابتها.
الخرطوم/4 ابريل 2015
الهوامش:
**الكاتب/ (حمور زيادة) ولد بأمدرمان في عام 1977. درس تقنية المعلومات وعلوم الحاسب الآلي وتخرج في عام 2002. عمل باحثاً في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني، ثم عمل بالصحافة السودانية في صحف أجراس الحرية والمستقلة والجريدة واليوم التالي . ثم انتقل إلى القاهرة في 2009. صدرت له مجموعة قصصية 2008 ( سيرة أمدرمانية) ثم رواية ( الكونج 2010. (ومجموعة قصصية) النوم أسفل الجبل(. ثم رواية شوق الدرويش في 2014 التي فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية في العام نفسه، ثم دخلت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية ضمن ستة أعمال مرشحة للفوز بالبوكر العربية عام 2015 في العاصمة أبوظبي في مطلع مايو المقبل.
***الينابيع السحرية ومسرات الخيال/دراسة للكاتب ص156.
المراجع:
1/شوق الدرويش/ حمور زيادة/ دار العين/ 2014.
2/شعرية التناص في الرواية العربية/د.سليمة عذراوي/ دار رؤية القاهرة2012.
3/ العطر الفرنسي/ رواية /أمير تاج السر.الدار العربية للعلوم 2010.
4/ سعيد يقطين/ انفتاح النص الروائي/ المركز الثقافي العربي 2001.
5/ (الينابيع السحرية ومسرات الخيال) قراءة في أعمال أمير تاج السر/ صلاح الدين سرالختم علي/ منشورات ضفاف/بيروت/ منشورات الاختلاف/ الجزائر / دارالأمان/ الرباط.
بطل الرواية (بخيت منديل)والهجرة بين عبودية الجسد وعبودية الروح وقصور الوهم
بقلم / صلاح الدين سرالختم على
رواية(شوق الدرويش) للكاتب حمور زيادة** الصادرة عن دار العين في 2014 رواية تغازل المسكوت عنه وتقاربه بقوة من مواقع وزوايا مختلفة، يتموضع الراوي داخل الرواية التي تدور أحداثها في القرن التاسع عشر بمدينة أمدرمان إبان الثورة المهدية، يروي الراوي حكايات أناس عاديين عاشوا تلك الأيام في مزج فريد بين وقائع التاريخ المحورة روائياً وبين المتخيل الروائي المبدع بواسطة الكاتب،فالكاتب لايكتب تاريخاً بعين واحدة ولسان واحد كما ظن البعض ، بل يكتب رواية من وجهات نظر الشخوص التي تتحرك في فضائها السردي بحسب مواقعهم ومواقفهم من الأحداث المنسوجة من وحي الخيال بالاشتغال على وقائع تاريخية تمسي داخل العمل الروائي قطرة في بحر هائج، ولاتعود بعد دخولها في الرواية تاريخاً، بل عنصراً من عناصر العمل الفني تبرره الضرورة الفنية وتحدد كيفية التعامل معه مواقع الرواة وتموضعهم، فواقعة مثل ثورة المهدي يختلف النظر فيها وإليها باختلاف موقع المتحدث عنها والناظرإليها ، فوجهة نظر أمرائها لايمكن أن تتطابق مع وجهة نظر أسراها وقتلاها وأعدائها والعكس صحيح،الروائي ليس مطلوباً منه كتابة بيان تأييد ولا بيان إدانة بل المطلوب منه كتابة رواية وفق شروط كتابة الرواية،بما في ذلك التماهي مع موقع الراوي ولو كان قوله غير مقبولٍ من وجهة نظر مغايرة.فالقول داخل الرواية تبرره الضرورة الفنية ولا تبرره حقائق التاريخ المكتوبة من موقع مختلف وبمنهج مختلف.كان الكاتب جريئاً في رسم شخصيات مأزومة في الرواية مثل شخصيتي (بخيت منديل) و(الحسن الجريفاوي)اللتين باتتا على طرفي نقيض مع فكرة المهدية التي آمنتا بها وقاتلتا تحت راياتها بسبب صراع الفكرة مع الواقع، وكانت أزمة كل منهما مبررة ومنطقية في حدود شخصيتها والأثقال التي ترزح تحتها الشخصية وتئن ، ولم تكن الأزمة مفتعلة ولا مقحمة على الأحداث ومنطقها من خارجها.فبينما كان (بخيت) يرزح تحت وطأة وهم مستحيل هو حبه لراهبة أسيرة ذاقت ما ذاقت على يد الثورة كونها في المعسكر الآخر، فجعل بخيت الجهادي السابق في صفوف الثورة من نفسه أداة لسفك دماء من قتلوا حبيبته المتوهمة،منتقلاً عملياً إلى المعسكر الآخر، كان الحسن الجريفاوي يرزح تحت وطأة عبء حقيقي سببه جرائم حرب ارتكبها بحق ضحايا مدنية في (المتمة )وغيرها من الأمكنة أثناء ما كان يؤمن به بأنه جهاد مقدس.ظلت صورة تلك الطفلة التي أزهق روحها تلاحقه وتمنع عنه سكينة الروح التي بحث عنها في الجهاد، فتزعزع إيمانه بالفكرة.وجوه الشبه بين الحسن الجريفاوي وبخيت منديل كثيرة، فكلاهما آمن بالمهدية وقاتل تحت رايتها ثم كفر بها وعانى ، لكنهما يختلفان في أن الحسن كان حراً وآمن بالفكرة من موقع ديني وصوفي، بينما بخيت كان راسفاً في أغلال العبودية وآمن بالفكرة كبوابة للحرية الشخصية،هكذا ينزل الكاتب بالفكرة من المطلق المثالي المجرد إلى الواقعي الملموس الذي تجسده شخصيات من لحم ودم تنتمي إلى تلك الأيام فيصورها في حوارها وكفاحها في قلب الأحداث وتأثرها المباشر بها من مواقع مختلفة تختلف عن مواقع الرواة والمؤرخين الذين يكتبون التاريخ بدم بارد وأنامل لم تتسخ بغبار المعارك، وآذان لم تسمع صليل السيوف ويصدرون قرارات بشأن وقائع لاتؤثر على مصائرهم الشخصية تأثيراً مباشراً مثل المعاصرين.وإذا كان المتخيل ينشأ على المادة التاريخية أو الفعل المنجز بشكل عام، فهو لايعطي قيمة كبيرة للحقيقة التاريخية كحقيقة مطلقة، ولكن كاستعارة لشئ تسيد وانتفى وصار جزءاً من الذاكرة الجمعية ووظيفته في النص الروائي هي أقرب إلى الإيهام والاحتمال البعيد منها إلى الحقيقة الثابتة. لهذا فاختبار هذه الحقيقة ومساءلتها خارج السرد يعد ضرباً من الاستحالة.فواقع الرواية يبقى واقعاً خاصاً لاتنتجه إلا هي، حتى وإن اعتمد هذا الواقع على عالم خارجي حقيقي، فهو يتشكل داخل الروايةتشكلاً خاصاً يمنحه خصوصية ونوعاً من الانفصال عن الواقع الذي يمثله.
حين نتتبع بناء شخصية البطل (بخيت منديل) مثلاً،نجد طفولة بائسة انتهت باختطافه من بين أهله في جبال النوبة، ثم عرضه في سوق الرقيق في مشهد يحمل في طياته وصمة العار التي ألحقها ذلك الفعل القبيح بالإنسانية . يسهب الراوي في وصف معاينة مهينة للبضاعة لاتستثنى شيئاً من جسد الضحية الذي بات مملوكاً لأجنبي شاذ جنسياً يريد آلة تشبع شهوته المريضة. ويرسف بخيت في هذا الوضع خمسة أعوام ، ثم ينتقل سعيداً ليصبح عبداً منزلياً عند مالك جديد، وحين تهب عاصفة ثورة المهدي يصبح بخيت حراً ويلتحق بجيش المجاهدين فيقع في الأسر في مصر بعد هزيمة الجيش ليعود إلى العبودية.ثم يعود إلى بلاده حراً بمنحة من سيده المصري. ويعمل أعمالاً حرة عديدة من بينها العمل حفاراً للقبور. ويلتقي بالراهبة الأسيرة( ثيودورا) المصرية من أصل يوناني ،فيتعلق بها ويعشقها عشقاً من جانب واحد، ليلج عبودية من نوع جديد متعلقاً بوهم مستحيل، يقوده الوهم إلى سجن الساير في قلب أمدرمان بتهمة شرب الخمر والتجول في الشوارع بعد سماعه خبر مقتل الراهبة على يد من أغروها بمحاولة الفرار من الأسر ثم سلموها للقتلة، داخل سجنه يحصي الأيام للخروج والاقتصاص من القتلة، ويحصل بخيت على حريته هذه المرة بفعل الجيوش الأجنبية التي غزت البلاد وأعادت استعمارها،
((أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم، مع دخول الجيش المصري للبلاد)الرواية.
لكن الغزاة لم يحرروهم في الحقيقة لأن تحريرهم ليس من بين اهتماماتهم(دخل المصريون أمدرمان، وجاء إلى السجن جماعة من النصارى والمصريين، أطلقوا سراح بعض من يعرفون من أكابر الناس ، تركوهم)ص 11.
بعد خروجه من السحن ينفذ (بخيت) انتقامه ويقع أخيراً في قبضة مطارديه بعد قتل خمسة من ستة كانوا على لائحته الانتقامية. يبدو( بخيت منديل) شخصاً مسحوراً منجذباً خلف وهم من صنعه يريد الاستعاضة به عن حياة حقيقية لم تمنحه سوى العبودية والاضطهاد والغيبوبة الدائمة)فقد كان يعاقر الخمر بصورة دائمة(، ويبدو العاشق صوفياً في حلقة ذكر ، ويذكرنا وصفه بالدرويش برائعة الفيتوري:
(في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق)
شخصيةمريسيلة:شخصية مرسومة بدقة شديدة في الرواية وهي تحب بخيت حباً صادقاً ، لكنه مشغول عنها بحبه المستحيل الوهمي للراهبة التي لاتحبه.مريسيلة كانت إيجابية وقادرة على الفعل أكثر من (ثيودورا) التي تمثل (الوهم).(مريسيلة) و(ثيودورا ) مثلتا ثنائية الواقع والوهم في الرواية.لذلك تنتمي ثيودورا إلى أرض الأساطير ( بلاد اليونان).بينما نجد مريسيلة متجذرة في الواقع،فهي أمة سوداء شابة و بائعة خمر (المريسة) وهي نوع من الخمور البلدية في السودان، وهي قارئة الودع ومدبرة صفقات الهوى وخاطبة الحلال والحرام، ومعينة الهاربين و تاجرة العقود والسلاسل والوصفات السحرية للحب، وهي منقذة سبع نساء من مشنقة السوق، وهي التي أذلت حامل راية أحد الأمراء أمام المسجد على مرأى من خليفة المهدي. وهي التي مكنت بخيت من الانتقام من خمسة ممن قتلوا ثيودورا فقد وفرت له السلاح والمعلومات.
شخصيةيونس عسكري الجهادية: غريم متوهم لبخيت منديل استغلت الراهبة ثيودورا مشاعره نحوها وطمعه في المال وصلتها القديمة به حيث كان حارساً لقافلة جلبتها من سواكن إلى بربر،وذلك لاستخدامه في الهروب من الأسر، لكن بخيت كان يظنها وقعت في غرامه ولم يفهم سبب توددها إلى يونس. يونس واقعي قال عن سبب دخوله السجن)جاء بي الطمع.( في إشارة إلى) محاولة تهريب الراهبة(.وهو مرسوم بعناية ومغروس في الرواية منذ الصفحات الأولى حيث رافق البطلة ثيودورا في رحلة القدوم من سواكن إلى بربر، ثم رافقها في رحلتها الأخيرة نحو السماء.
شخصية الشيخ إبراهيم ود الشواك:
شخصية انتهازية تلبس لكل حالة لبوسها ودينها هو الربح واللعب على كل الحبال خدمة لمصالحه؛ فقد غازل المستعمر وخدمه وغازل ثوار المهدية ثم تخلى عنهم، وغازل المستعمر عند سقوط المهدية . هذه الجملة الصادرة عنه تلخص شخصيته وتفكيره بدقة)لو كان لزاماً علينا أن نلبس طربوش النصارى ونغير لون جلودنا فلنفعل.المهدية راحت يا ولدي. هذا أمر الله(.ص 55. انتهى الشيخ قتيلاً على يد بخيت منديل انتقاماً لمقتل حواء )ثيودورا( التي اتخذها الشيخ محظية عندما وقعت في أسر الخليفة وحاول اغتصابها في بيته وحين صدته أخضعها لعملية ختان قسرية ، ثم شارك في قتلها حين حاولت الهرب من الأسر.وعلم بخيت بمقتلها مصادفة من سكران في بيت خمرة ثرثر بتفاصيل الجريمة ليدرك بخيت أنهم استغفلوه وجعلوه يحفر قبرها بيده جاهلاً من تكون،.تحول العبد إلى اداة قتل لامشاعر لها،فقد كان مؤمناً بمشروعية ما يفعل إيماناً مريضاً) أنا لست هارباً.أنا الموت.مني يفر الناس( ص97.يقول عن نفسه بعد جريمته الأخيرة:
(ما فعله كان وحشياً حتى هو ما كان ليتحمل ما فعل لو لم يكن في سبيلها.حين كان يرى الإعدام في مشنقة السوق كان يرجع كأرنب صغير. يهرب من وحشية العالم إلى دفء حضورها.) ص 94. لقد خرج من عبودية السجن والسادة إلى عبودية المحبوبة!!حين ظن أنه حقق ذاته ، كانت الحقيقة أنه دخل اغتراباً جديداً وفتح زنزانة في داخله.
هل يبصر الأعمى؟! ((شوق الدرويش) و
التناص مع رواية (العطر الفرنسي )لأمير تاج السر
تبدو شخصية بخيت منديل وتعلقه بثيودورا تجسيداً متجدداً لعلاقة الشرق والغرب، فهي علاقة مريضة عامرة بالأوهام المتبادلة ، وهى التجسيد الحي لعلاقة الشرق بالغرب التي عالجتها رواية موسم الهجرة للطيب صالح عبر تجسيد (مصطفى سعيد)في علاقاته النسائية التي فضحت كون الصراع هو خلفية العلاقة .
فحين خاطبه القاضي الإنكليزي متهماً إياه بأن في تكوينه الروحي بقعة مظلمة، كان ذلك امتداداً لعصور من الاستعلاء والتعصب والنظرة الاستعلائية الأوربية للآخرين.وتكرر الأمر نفسه،حين حاكمت (ثيودورا ) (بخيت منديل) بذات الاستعلاء في الرواية في أكثرمن موقع:تقول (ثيودورا) لبخيت منديل في الرواية بيأس مطلق وهي تحاول إفاقته من وهم حبه لها وحلمه بها:
(أنت لاتفهم .أنت أعمى)
في ذلك تصوير دقيق لحالة (بخيت منديل) العاجز عن رؤية الحواجز الواقعية القائمة بينهما، فهو عاجز عن رؤية حاجز الدين وحاجز اللون وحاجز الثقافة وحاجز الكراهية بين السجان والسجين،وهو عاجز حتى عن فهم الحقيقة المرة لما تقوله له بلطف( مستحيل أن يحب مثلي مثلك.)فهي في أعماقها كما يتضح من رسائلها إلى أهلها عنصرية تبغض السود ولاترى فيهم سوى برابرة وخراف سوداء للرب، ولا تتصور مطلقاً علاقة زواج تربطها به، فتقول(هي رسولة الرب في بلاد الغنم.هل تعشق القديسة الغنم؟)وتقول لنفسها(لاتريد أطفالا سوداً يؤمنون بدرويش ميت يحلمون بغزو العالم، لن يكون زوجها عبداً أسودَ)ص 418 الرواية. لكن العمى لم يفارق (بخيت منديل ( (عمى البصيرة( ، فأنفق عمره في مطاردة الوهم، وحين تبدد الوهم بموتها تحول إلى أداة للقتل ومدمن لطيف كذوب هو تجسيد لسيطرة الوهم عليه . وفي ذلك تصوير بديع لحالة التطرف الذي يعمي بصيرة وبصر من يقع في حبائله وتجسيد للإدمان المرضي، يبدو )بخيت منديل( في مطاردته للوهم مشابهاً لشخصية )علي جرجار( في رواية )العطر الفرنسي( للروائي السوداني )أمير تاج السر( المكتوبة في العام2010.فكلاهما وطني مغلوب على أمره تعلق بوهم خارجي هو امرأة أجنبية مع فارق بسيط هو أن الممرضة الفرنسية كاتيا في (العطر الفرنسي) كانت وهماً ليس له وجود مادي خارج مخيلة (علي جرجار) ، بينما كانت الراهبة )ثيودورا( حبيبة بخيت منديل المتوهمة في )شوق الدرويش( امرأة من لحم ودم، ولها وجود موضوعي خارج مخيلة بخيت وحبها هو الوهم. وانتهى البطلان إلى ارتكاب جريمة القتل نتيجة لسيطرة الوهم عليهما.وموضوع الروايتين واحد هو التعصب وأثره.مع العلم أن منهجية كتابة (شوق الدرويش) مماثلة لمنهجية كتابة (أمير تاج السر) في رواياته: (مهر الصياح)و(توترات القبطي) و (أرض السودان الحلو والمر)التي تعاطت التاريخ كمادة خام للرواية وأعملت الخيال فيه تحويراً وصناعة لرواية معاصرة ليست محاضرة في التاريخ وليست سيرة .لذلك لايمكن تسمية الروايات المذكورة بالروايات التاريخية، فتلك تسمية غير دقيقة، والصحيح أنها روايات من صنع خيال فسيح.فالرواية تبقى رواية بغض النظر عن موضوعها وزمن جريان أحداثها. عندما نشير إلى التناص هنا بوصفه مصطلحاً يستعمل للدلالة على (الحضور الفعلي لنص في آخر) فحسب النظرية كل نص هو بشكل و بآخر امتصاص وتحويل لنصوص أخرى، والرواية عامرة بصور متعددة للتناص. استحقت الرواية في تقديري فوزها بجائزة نجيب محفوظ للرواية في عام 2014، وتستحق المنافسة على لمركز الأول لجائزة البوكر العربية 2015 في مايو القادم.فالرواية عمل فني كبير بذل فيه كاتبه عصارة فكره وجهده ، وتسلح بمراجع شكلت مادته الخام التي سكب فيها قدراته وخبراته ، فخرجت الرواية إلى النور ترفل في ثوب قشيب وهي جديرة بالاطلاع عليها والبحث في بحورها. وقد انطوت معظم الانتقادات التي وجهت للرواية على خلط واضح بين كتابة الرواية وكتابة التاريخ، وحوكمت الرواية من خارج النص الروائي في خلط بين قول الشخصيات وقول المؤرخين والتاريخ . الرواية يجب النظر إليها في إطار النص الروائي .***إن الإضافة في الرواية التي تتكئ على التاريخ هي التي تجعل مايروى رواية وليس تاريخاً،ذلك أن جهد المبدع الأساسي يبرزه المتخيل الروائي، وتبرز قدراته الخلاقة وتتجلى في ما يفعله بالنص التاريخي فيحيله من برودة لمتاحف وسكونها، ومن جمود صفحات التاريخ والسيرة وزوايا رؤيته الضيقة إلى رحاب الفضاء السردي والإبداعي الفسيح. إن الرواية هي فعل إحياء لاحدود له ولاكوابح،إن التحوير يفرز حرية الإبداع ويطلق لخيال كاتب النص وقارئه العنان، ويجعل الكتابة إبداعاً لا تسجيلاً وتدويناً وجمعاً للأحداث مثل التحقيقات الصحفية، ويجعل القراءة لذة ومتعة، وخيالاً فسيحاً واكتشافاً دائماً، وليست قراءة كسولة يغذيها الفضول مثل قراءة صفحات الحوادث.لذلك فإن مجرد الاجتهاد لإثبات أن الرواية حورت التاريخ أو زيفته هو فعل معاد للإبداع مهما حسنت النوايا، وهو معركة في غير معترك.ذلك أن محاكمة الرواية تكون من داخلها ووفقاً لشروط إنتاجها وتقنيات كتابتها.
الخرطوم/4 ابريل 2015
الهوامش:
**الكاتب/ (حمور زيادة) ولد بأمدرمان في عام 1977. درس تقنية المعلومات وعلوم الحاسب الآلي وتخرج في عام 2002. عمل باحثاً في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني، ثم عمل بالصحافة السودانية في صحف أجراس الحرية والمستقلة والجريدة واليوم التالي . ثم انتقل إلى القاهرة في 2009. صدرت له مجموعة قصصية 2008 ( سيرة أمدرمانية) ثم رواية ( الكونج 2010. (ومجموعة قصصية) النوم أسفل الجبل(. ثم رواية شوق الدرويش في 2014 التي فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية في العام نفسه، ثم دخلت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية ضمن ستة أعمال مرشحة للفوز بالبوكر العربية عام 2015 في العاصمة أبوظبي في مطلع مايو المقبل.
***الينابيع السحرية ومسرات الخيال/دراسة للكاتب ص156.
المراجع:
1/شوق الدرويش/ حمور زيادة/ دار العين/ 2014.
2/شعرية التناص في الرواية العربية/د.سليمة عذراوي/ دار رؤية القاهرة2012.
3/ العطر الفرنسي/ رواية /أمير تاج السر.الدار العربية للعلوم 2010.
4/ سعيد يقطين/ انفتاح النص الروائي/ المركز الثقافي العربي 2001.
5/ (الينابيع السحرية ومسرات الخيال) قراءة في أعمال أمير تاج السر/ صلاح الدين سرالختم علي/ منشورات ضفاف/بيروت/ منشورات الاختلاف/ الجزائر / دارالأمان/ الرباط.
Tuesday, March 31, 2015
بنية النص القصير جدا وحوار المتضادات والمتقابلات في قصة حسن برطال أو شفرة برطال السرية...محاولة للفهم والتاويل
نص تحت مجهر النقد
بقلم /صلاح الدين سر الختم على
النص:
حوار مفتوح
قبل خروجه ذكرَتْه ب ( جوارحه ) الميتة ، فعاد من السوق ب ( صقور ) صيد حية../
حسن برطال
التحليل: نصوص حسن برطال عبارة عن معمار فنى دقيق محكم البنية وموزون بميزان الذهب،الدهشة حاضرة وشاهقة دهشة في نصوص حسن برطال الشاهقة المنحوتة بدقة مايكل انجلو والمرسومة بريشة بيكاسو والمكتوبة بايجاز واختزال تشيخوف ، تمسي قراءة النص متعة ومسرة حقيقية دوما، فما بين خروجه حاملا سيف بغيه وعودته منتصرا حاملا غنائمه تقف الدهشة فاغرة الفاه باحثة عن مغزى مخبوء بين السطور ومخالب الصقور الميتة الحية.
بتفكيك النص نلاحظ ان بنية النص قائمة على اختيارات واعية ودقيقة لكل جملة وكلمة وحرف ، وتعتمد الحوارية في النص وحركته على حوار داخلي بين متضادات مغروسة في فضاء النص بإتقان شديد ،فى الاستهلال ترد كلمة (قبل) وتقابلها في خاتمة النص كلمة(فعاد)، نحن هنا امام زمانين مختلفين( قبل الخروج) و( بعد العودة) قبلُ: نقيض بعدُ. ، التضاد هنا قائم بين زمانين ، لكل زمن ملامحه ووقائعه ووعي مختلف به، فالذى خرج ليس هو من عاد، لهذا السبب اختلف فعله الذى يعكس التغير أو التغيير الذى حدث في وعيه.
ثم يستخدم الكاتب اسلوب المقابلة : (ذكرَتْه ب)، (فعاد ب) للمقابلة بين حالين لتجسيد فعل ورد فعل مضاد، ويستخدم المتضادات مرة أخرى ليجسد الفارق بين (المأمول) (المطلوب) وبين (ما تحقق فعلا)ليرسم بذلك الهوة الواسعة بين البطل واالبطلة، فهى ذكرته ب(جوارحه الميتة)
وتبدو الإشارة الى (الجوارح الميتة)هنا إشارة الى البرود الجنسي للرجل،وهو برود عانت منه الانثى المغيبة هنا والمشار اليها بضمير الغائبة في (ذكرته) وهنا يتم استخدام ضمير الغائبة للإشارة الى تغييبها كأنثى نتيجة لبروده الجنسي،كان رد فعله هو الخروج للسوق للبحث عن حل ل (جوارحه الميتة) فعاد من تسوقه ب( صقور صيد حية) والمغزى هنا انه ادرك عجزه التام عن إشباعها فاكتفى بدور القواد وعاد لها برجال قادرين على اشباعها.الدلالة هنا هى انسداد الافق لعلاقة بلغت نفقا مظلماً.فضلا عن ذلك هناك تلاعب لفظى مقصود ومخبوء في كلمة (جوارح)فهى تحتمل معان متعددة، وجَوارِحُ الإِنسان: أَعضاؤُه وعَوامِلُ جسده كيديه ورجليه، واحدتها جارحة. لأَنهن يَجْرَحْن الخير والشر أَي يكسبنه. والجوارح من الطير والسباع والكلاب: ذواتُ الصيد لأَنها تَجْرَحُ لأَهلها أَي تَكْسِبُ لهم، الواحدة جارحة؛ فالبازي جارحة،والكلب الضاري جارحة؛ فهى كانت تقصد قدراته الشخصية ، لكنه فهم ان المطلوب اشباعها بوسطة غيره. التلاعب اللفظى هنا صنع مفارقة النص وسخريته الجارحة.
جملة (من السوق) التى قد تبدو زائدة هى مقصودة في الحقيقة، فهى احتجت على غرائزه الميتة طالبة منه فعلاً شخصيا، فاشترى لها رجالا قادرين على فعل عجز عنه هو، فازداد عجزا،كونه ظن إنها اشياء تشترى، النص عند (برطال) عزف منفرد على سلالم التضاد والمقابلة للايحاء بمغزى بعيد مخبوء ببراعة بين سطور السرد وحروفه بعناية شديدة.ما يدعو للدهشة ليس هذه القدرة الفريدة على البناء المحكم وحدها، بل ما يدعو للدهشة هو ان النص يبقي برغم الصنعة المحكمة عفويا طازجا مثل رغيف الفقراء دون التأثر بذلك النسج المحكم الدقيق.
31 مارس 2015
بقلم /صلاح الدين سر الختم على
النص:
حوار مفتوح
قبل خروجه ذكرَتْه ب ( جوارحه ) الميتة ، فعاد من السوق ب ( صقور ) صيد حية../
حسن برطال
التحليل: نصوص حسن برطال عبارة عن معمار فنى دقيق محكم البنية وموزون بميزان الذهب،الدهشة حاضرة وشاهقة دهشة في نصوص حسن برطال الشاهقة المنحوتة بدقة مايكل انجلو والمرسومة بريشة بيكاسو والمكتوبة بايجاز واختزال تشيخوف ، تمسي قراءة النص متعة ومسرة حقيقية دوما، فما بين خروجه حاملا سيف بغيه وعودته منتصرا حاملا غنائمه تقف الدهشة فاغرة الفاه باحثة عن مغزى مخبوء بين السطور ومخالب الصقور الميتة الحية.
بتفكيك النص نلاحظ ان بنية النص قائمة على اختيارات واعية ودقيقة لكل جملة وكلمة وحرف ، وتعتمد الحوارية في النص وحركته على حوار داخلي بين متضادات مغروسة في فضاء النص بإتقان شديد ،فى الاستهلال ترد كلمة (قبل) وتقابلها في خاتمة النص كلمة(فعاد)، نحن هنا امام زمانين مختلفين( قبل الخروج) و( بعد العودة) قبلُ: نقيض بعدُ. ، التضاد هنا قائم بين زمانين ، لكل زمن ملامحه ووقائعه ووعي مختلف به، فالذى خرج ليس هو من عاد، لهذا السبب اختلف فعله الذى يعكس التغير أو التغيير الذى حدث في وعيه.
ثم يستخدم الكاتب اسلوب المقابلة : (ذكرَتْه ب)، (فعاد ب) للمقابلة بين حالين لتجسيد فعل ورد فعل مضاد، ويستخدم المتضادات مرة أخرى ليجسد الفارق بين (المأمول) (المطلوب) وبين (ما تحقق فعلا)ليرسم بذلك الهوة الواسعة بين البطل واالبطلة، فهى ذكرته ب(جوارحه الميتة)
وتبدو الإشارة الى (الجوارح الميتة)هنا إشارة الى البرود الجنسي للرجل،وهو برود عانت منه الانثى المغيبة هنا والمشار اليها بضمير الغائبة في (ذكرته) وهنا يتم استخدام ضمير الغائبة للإشارة الى تغييبها كأنثى نتيجة لبروده الجنسي،كان رد فعله هو الخروج للسوق للبحث عن حل ل (جوارحه الميتة) فعاد من تسوقه ب( صقور صيد حية) والمغزى هنا انه ادرك عجزه التام عن إشباعها فاكتفى بدور القواد وعاد لها برجال قادرين على اشباعها.الدلالة هنا هى انسداد الافق لعلاقة بلغت نفقا مظلماً.فضلا عن ذلك هناك تلاعب لفظى مقصود ومخبوء في كلمة (جوارح)فهى تحتمل معان متعددة، وجَوارِحُ الإِنسان: أَعضاؤُه وعَوامِلُ جسده كيديه ورجليه، واحدتها جارحة. لأَنهن يَجْرَحْن الخير والشر أَي يكسبنه. والجوارح من الطير والسباع والكلاب: ذواتُ الصيد لأَنها تَجْرَحُ لأَهلها أَي تَكْسِبُ لهم، الواحدة جارحة؛ فالبازي جارحة،والكلب الضاري جارحة؛ فهى كانت تقصد قدراته الشخصية ، لكنه فهم ان المطلوب اشباعها بوسطة غيره. التلاعب اللفظى هنا صنع مفارقة النص وسخريته الجارحة.
جملة (من السوق) التى قد تبدو زائدة هى مقصودة في الحقيقة، فهى احتجت على غرائزه الميتة طالبة منه فعلاً شخصيا، فاشترى لها رجالا قادرين على فعل عجز عنه هو، فازداد عجزا،كونه ظن إنها اشياء تشترى، النص عند (برطال) عزف منفرد على سلالم التضاد والمقابلة للايحاء بمغزى بعيد مخبوء ببراعة بين سطور السرد وحروفه بعناية شديدة.ما يدعو للدهشة ليس هذه القدرة الفريدة على البناء المحكم وحدها، بل ما يدعو للدهشة هو ان النص يبقي برغم الصنعة المحكمة عفويا طازجا مثل رغيف الفقراء دون التأثر بذلك النسج المحكم الدقيق.
31 مارس 2015
Saturday, October 11, 2014
نص تحت مجهر النقد (دقيقة حُب) للكاتب / بسام الأشرم
نص يجسد(قصة المشهد) في أروع تجلياتها
أبدع الكاتب في تصوير التقاء عالمين في لحظة عابرة فكل منهما عابر في حياة الآخر!!
في قصته (دقيقة حب) يقدم القاص بسام الأشرم لوحة نابضة بالحياة ،لوحة مكتوبة بعناية كقصة قصيرة على قالب نوع من القصة تعرف بقصة المشهد أو الاسكيتش ازدهرت في منتصف القرن الماضى في بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم عرفت طريقها للعالم العربي فيما بعد،وتقوم قصة المشهد على تقديم القصة في شكل مشهد مقتطع بعناية يجسد لحظة بالغة التعقيد في حياة انسان أو جانبا من حياة شخص أو مجموعة زلايكون في القصة بداية وذروة وعقدة وحل كما هو الحال في القصة التقليدية، بل تعتمد قصة المشهد على الايحاء بالمغزى عبر المشهد أو المشاهد المقدمة مجتمعة. قصة المشهد او الاسكيتش وهي نوع من القصة يعتمد علي الايحاء بالمعني عبر اقتطاع لحظة او مشهد من الحياة عامة او حياة شخص او جماد او حيوان وتتميز قصة المشهد بالتحرر من القالب التقليدي للقصة أي الذروة والعقدة ولحظة التنوير ويحل المشهد مكان ذلك القالب،والفكرة ان المغزي يكمن في المشهد كله.وهذا النوع من القصة انتشر في امريكا وانجلترا في نهاية الخمسينات ومن أبرز كتابه كاثرين مانسيفلد* وعندنا في السودان من كتابه الطيب زروق وعبدالله علي ابراهيم واحمد الامين البشير والزبير على.
في قصة (دقيقة حب) ثلاث مشاهد مختارة بعناية ، المشهد الأول يقدم فيه القاص بطل القصة وهو صبى فقير يعمل بائعا متجولا برغم انه طالب مجد:
(و راح يقفز مسرعاً مُتنقلاً من سائق الى سائق مُحاولاً استغلال كل ثانية من زمن تَوَقُّف الشارة المرورية في ساعة شمسٍ عمودية ليومٍ تموزيّ مُلتهب و طبقة من غبار المكان و عوادِم السيارات قد كَسَت شعره الذهبي الناعم و عرقٌ غزيرٌ يصُبُّ من جبهته في عينيه صَبّاً ..
فتراه يحاول تجفيفهما بِكُمِّ قميصه البالي ، و قدميه الحافيتين تشتكي
حَر الأسفلت المتوهج و أصابعه الصغيرة تقبض على علبة بسكوت
من النوع الرديء علَّه يجد سائقاً يُلبي نداءه قبل أن تفتح الشارة المرورية ..
(( بسكوت .. ؟ تشتري بسكوت .. ؟ بسكوت بسكو ... )
هذا الوصف الدقيق للصبي هو في الحقيقة وصف للعالم الذى ينتمى اليه( عالم الفقر المدقع والحاجة التى تسحق من يرزح تحت نيرها سحقا لاهوادة فيه ولارحمة)، يبدع الكاتب في الوصف وتصوير شقاء الصبي، فاليوم يوم من أيام الصيف الملتهبة،ومع ذلك يركض الصبي حافيا على الأسفلت محاولاً مسابقة اشارة المرور لبيع شيء من بضاعته لأصحاب السيارات العابرة قبل تغير الاشارة وتحرك السيارات.والصبي وحيد يكابد أقداره وهو حافى الأقدام وعارى الرأس مما يقيه أشعة الشمس. وسباقه مع الإشارة هو رمز لسباق الإنسان في الحياة مع الأقدار.
المشهد الثانى:
من ثم ينقلنا القاص بذكاء مستخدما عين الصبي ككاميرا الى العالم (الآخر) الذى تمثله الصبية (جميلة))
(و فجأة توقف عن القفز و النداء ، و نسيت قدماه توهج الأسفلت و راح
يتأملها من خلف زجاج نافذة المقعد الخلفي لإحدى السيارات الفارهة
المتوقفة بإنتظار تَغَيُّر لون الشارة المرورية ، و راح يُحَدِّث نفسه مُحاولاً
بلع ريقه الذي جَفَّ إلى حَدِّ التَقَطُّع ..
( إنها في مثل عمري .. فأنا في الصف الخامس الإبتدائي و ربما هي
مثلي .. و لكنها ترتدي ثياباً جميلةً و أنا لا .. و هي جالسة على أريكةٍ
مُريحةٍ و جهاز تكييف يضُخُ عليها البردُ ضَخّاًو أنا أقفز على أسفلت متوهج
و من حولي نار الشمس تشويني شوياً و هي تشرب المثلج و ربما
ما هي بِعطشى و حلقي يكاد يتقطع ظمأً ، يا إلهي ..أنا الأول على
فصلي و لا أظنها مثلي ، و لكن .. و لكنها جميلة .. ربما أجمل مني ..)
و دون شعورٍ منه راح يقترب من زجاج نافذتها حتى تَوَقَّفَ بمحاذاتها
ناظراً إليها مُتأملاً لِتنتبه إليه .. تتوقف عن الشرب من زجاجتها المثلجة ..
تتأمله ..تُحَدِّث نفسها: ..
( مامي .. ! ما أجمل هذا الولد .. ! و لكن لماذا يقف تحت الشمس
المُحرقة ؟ و ما هذا القميص المُمَزَّق و ماذا يفعل بعلبة البسكوت
التي يُمسك بها ؟)
هنا يستخدم الكاتب تقنية المقابلة أو المقارنة بينن ( العالمين) عالمها وعالمه، فهى تجلس داخل سيارة مكيفة تقيها شر الحر وأشعة الشمس وليست مثله هائمة في العراء، وأقدامها لاتلامس الأسفلت حافية مثله،وهى ترتدى ثيابا جميلة وهو يلبس ملابس بالية رثة،وهو ظامئ وهى تشرب المثلجات، وثمة جدار بينهما، صحيح انه شفاف يسمح لكل منهما برؤية الآخر، لكنه جدار حقيقي بين عالمين، يصوره الكاتب عبر الإشارة الى زجاج السيارة وفتحها له ثم اغلاقها له تحت تأثير الأب الارستقراطي الذى شكا افساد الزجاج المفتوح لمتعة التكييف،ويستخدم الكاتب التساؤلات التى تلمع في ذهن الصبي والصبية كوسيلة لإبراز الهوة بين العالمين والفوارق بينهما . فحين تتساءل الصبية:(مامي .. ! ما أجمل هذا الولد .. ! و لكن لماذا يقف تحت الشمس المُحرقة ؟ و ما هذا القميص المُمَزَّق و ماذا يفعل بعلبة البسكوت التي يُمسك بها ؟)
تبدو كمن شاهد انسانا قادما لتوه من القمر، فهى لاتعرف العالم خارج زجاج سيارتها، ولاتعرف كيف يعيش مثل الصبى (جميل) اليتيم الذى لايتمتع مثلها بدفء العائلة، فوجودها في سيارة مع عائلتها ووجوده في العراء بلا عائل، هى مقابلة أخرى بين العالمين ، عالمان التقيا في حر الظهيرة لثوان معدودة عند إشارة مرور، ثم أختفى كل منهما عن نظر الآخر كالحلم بالنسبة للصبي ، وكالكابوس بالنسبة للصبية. هكذا كان اللقاء لقاء
( جميل وجميلة)،وكانت المسافة واسعة بين عالمها وعالمه،عالمها البلورى المحمى بالتكييف والزجاج،وعالمه تحت الشمس بلا حماية،
عالمها عالم الرفاهية والكماليات والترف والنظر للناس عبر الجدار،عالمه عالم الافتقار الى الضروريات والركض تحت الشمس وانتظار فرص ضيقة لكسب الرزق، فرص مهددة بإشارة المرور وعمرها القصير الذي لايسمح بإبرام صفقة تفتقر لمقومات النجاح فركاب السيارات الفارهة لن يشتروا بسكويت الفقراء ولو وقفت سيارتهم النهار بأكمله في الاشارة. هى سيارات عابرة بأناس عابرين لاتأبه لهم كثيرا، لاتعطيهم سوى أسوأ ماعندها( دخان عوادمها) فقط. لذلك فان اللقاء يكون مستحيلا ويكون عبر الحواجز والأسلاك الشائكة والجدر الفاصلة كما صوره الكاتب في المشهد الختامى الذى يحكم فيه على امكانية التواصل بين العالمين بالإعدام:
(و دون شعورٍ منها راحت تُنزِل زجاج نافذتها ليتقابل وجهاهُما ..
يكادان يتلامسان ، تسأله ..
( شو إسمك ؟ )
( جميل )
مامي .. ! و أنا جميلة ..بأي صف أنت ؟ )
( خامس )
( ياي .. ! و أنا خامس مثلك .. مِش عطشان و إنته تحت الشمس ؟ )
( عطشان )
تَمُد إليه زجاجتها المثلجة
( إشرب )
( لا .. شكراً )
( إنته ليش ماسِك البسكوت و واقِف هان ؟ )
( عشان فِشي عِندنا خبز و طبيخ )
( آه .. قصدك يعني بابا ما راح على السوبرماركت اليوم ؟ )
( أبوي مات من زمان )
( إرفعي الزجاج أضعتي التكييف يلا .. )
صاح بها والدها و عيناه تَرقُبان الشارة المرورية مُتَحَفِّزاً للإنطلاق ..
فَتُسارِع بِرفع الزجاج حتى تغلقه و تضغط جبهتها و أرنبة أنفها و شفتاها
على الزجاج الحائل بينها و بينه لِيدنو رويداً رويداً بِجبهته و أرنبة أنفه
و شفتاه حتى ألصقهما بالزجاج الذي تحوَّل لِفاصِل شفاف بين الجِباه و الشِفاه و يسيل اللعاب على الزجاج من شفتيها و في شفتيه ما مِن لُعاب
..
و تغمُره السيارة فجأةً بِغيمةٍ من عادمها الأسود مُنطلقة كالسهم إلى عالمها ، لِيبقى مكانه تحت الشمس يتأملها و هي تَتَوارى وسط الزحام) .
هذه الدقيقة في الحقيقة ليست دقيقة حب، بل هى دقيقة إثبات ذات، فهو قال لها عبر هذه الدقيقة ان عالمها البلورى عالم زائف لا يمكنه أن يلغى وجود عالمه الحقيقي بكل جراحه وندوبه ومعاناته، وهى قالت له عبر هذه الدقيقة أن ثمة عالم آخر موجود خارج الدائرة الشريرة الى يرزح فيها، عالم شفاف محروس بالإشارات الفاصلة بين العالمين ( عالم الحفاة الراجلين وعالم الأثرياء المتخمين الراكبين على رقاب البشر)، عالم محمى بالفواصل والجدران والزجاج، عالم لايتنازل أصحابه عن رفاهيتهم لثانية واحدة لصالح ضحايا العالم الآخر( والدها لم يطق فتحها للزجاج ثوان معدودة لأن الانفتاح على من هم تحت الشمس أفسد عليه متعة التكييف)!! فإن كانت هى لاتزال بمقدورها رؤية جميل ولو عبر الزجاج فإن والدها لايري فيه سوى ذبابة تطن في أذن فيل ولفحة حر تفسد عليه متعة التكييف.
هكذا يحكم بسام الأشرم رسم لوحته البديعة ويبوح من غير بوح، مكتفيا بعرض المشهد من الخارج ومن داخل أغوار النفس البشرية لبطليه( الطفل والطفلة) اللذان يبدوان أسيرين لواقع ليسا مسؤلين عنه، فهو مسجون في العراء وهى مسجونة في قفص من ذهب منهوب من عالمه الذى يرزح تحت الشمس والفقر والبؤس.عبر المشاهد الثلاثة يدعو الكاتب القارئ للتعرف على مايجري تحت سمعه وبصره كل يوم دون التوقف عند مغزاه، إنها دعوة الى فضح القبح في عالمنا المعاصر عبر دقيقة واحدة هى نصيب (جميل وجميلة) اللذان يرمزا للمسقبل من الجمال في عالم يمشي القبح فيه على قدمين. القصة ذكرتنى بقصة رائعة للقاص السودانى الرائد( الزبير علي) اسمها( البرميل) نشرت في الستينات في مجلة القصة السودانية تنتمى لقالب القصة المشهد تحكى لحظات في حياة أطفال مشردين في قلب العاصمة الخرطوم يتشاجرون حول محتويات برميل قمامة بجوار معرض أنيق في شارع فخم بالخرطوم، المقارنة بين العالمين نفسها موجودة، وهذا التناص يشير بجلاء الى أن هموم المثقفين والكتاب واحدة مهما اختلفت البلدان والأزمان.القصة تعكس اهتماما أصيلا لدى الكاتب بأحوال الناس من حوله وغوصه عميقا في إشكاليات عصره وهمومه وما يميزه هو هذه البساطة العبقريةفي تصوير الواقع في صور صغيرة مكثفة غنية بالدلالات.
يبقي من المهم القول بأهمية الصورة في السرد الحديث الى الحد الذى دفع فيلسوفا معاصرا للقول:** (فالصورة الشعرية، حين تبدو كائنًا جديدًا من كائنات اللغة، فإنها لا تقارَن، وذلك باتباع طريقة الاستعارة الشائعة، مع صمام ينفتح ليطلق غرائز مكتومة. فالصورة الشعرية تضيء بنورها الوعيَ. وإنه لمن العبث أن تبحث لها عن سابق في اللاوعي. )
صلاح الدين سر الختم علي
الخرطوم
الحادى عشر من اكتوبر 2014
المراجع:
1/(قصة دقيقة حب) للكاتب بسام الأشرم/ منشورة بمجموعة نون وقاف الالكترونية.
2/ بحث لكاتب السطور عن القصة القصيرة بالسودان نشر بصحيفة الصحافة السودانية.
3/ قصة (البرميل) للكاتب السودانى/ الزبير على/ منشورة بمجموعة النازحان والشتاء القصصيةوبمجلة القصة السودانية 1960 .
* كاترين مانسفيلد(1888 ـ 1923م). كاتبة بريطانية. تُشبَّه بالكاتب الروسي أنطون تشيخوف في تملكها لناصية الكتابة في مجال القصص القصيرة. وتعد معظم كتاباتها دراسات عن الطفولة مستقاة من تجاربها الشخصية في سنواتها الأولى، عندما كانت في ولنجتون بنيوزيلندا. وقد اتخذت من نفسها ومن شخصية أخيها نماذج، أو رموزًا لشخصيات قصصها.
نشر لكاترين قصص بعناوين: في بنسيون ألماني (1911م)؛ استهلال (1918م)؛ السعادة (1920م)؛ حفل الحديقة (1927م)؛ المجلة (1927م). وهذه القصص تقدم صورة عن أفكارها وتطور كتاباتها.
وُلِدَت كاترين مانسفيلد باسم كاثلين مانسفيلد بوشامب بولنجتون في نيوزيلندا، وبدأت نشاطها الأدبي بعد انتقالها إلى بريطانيا عام 1908م. وقد عانت من داء الدرن وقضت معظم وقتها بين المستشفيات والمصحات.
**غاستون باشلار. (شعرية حلم اليقظة )- يعتبر «غاستون باشلار» اهم فيلسوف في القرن 20 ذلك بأبحاثه الابستملوجية التي أسست خطاباً جديداً تم بمقتضاه القطع مع التصورات السابقة. سواء في تاريخ العلم أو في تكوين المعرفة العلمية وفتح من خلال نحته لمفاهيم إجرائية جديدة أبواباً متسعة لمفكرين آخرين في مجالات علمية متعددة. ولأن هذا الزخم المعرفي والمفاهيمي الذي حوطنا به وارتبط اسمه في أكثر الجامعات بريقاً هو المجال الابستملوجي الذي كان احد اقطابه الأساسيين.
Wednesday, October 8, 2014
تقنية النهاية المتوهجة في القصة القصيرة جدا(د.مصباح حجاوي) أنموذجاً
نصوص تحت مجهر النقد
مقدمة: للبداية في القصة والرواية
أهمية فنية كبري، فهى الوسيلة الفنية التى يضمن بها الكاتب عملية الانتقال بالقارئ
من خارج النص الى داخله،ويجب القول ان الأهمية نفسها تتوفر لكل مفصل من مفاصل النص المبدع بضم
الميم، سواء تعلق الأمر بعتبات النص(العنوان،صورة الغلاف، الإهداء)أو بعنصري
البداية والنهاية، للبداية وظائف مهمة:(افتتاح النص،جذب إهتمام القارئ( وظيفة
الإغراء)، وضع الخيال على مسرح الحدث، بناء العالم الخيالي، تحريك القصة.)
بالنسبة للنهاية يعرفها النقاد
بأنها( حالة خروج القارئ من النص)، إن محور العمل السردي هو نهايته،
فالنهاية إضافة الى أنها ذروة ولحظة تنوير، فهى محور أو بؤرة( تتجمع حولها أو
فيها معظم عناصر العمل الأقصوصي أو الروائي) والخاتمة أو النهاية هي الموضع
الأخير الذي يصل إليه القارئ،حيث يرفع عينه عن النص ويشرع بعدها في تأمله ومحاولة
فهمه وتأويله، ومن ثم فإن هذا الموضع هو صاحب التأثير الأخير الذي تتركه القصة علي
قارئها. هكذا تمثل النهاية في السرد موضع إكتمال الدورة الحدثية، بالنسبة للكاتب
والقارئ. وفي القصة القصيرة جدا تحتل الخاتمة أو النهاية مكانة خاصة جدا فهى عنصر
جوهرى من عناصر القصة القصيرة جدا، لذلك تجئ هذه الدراسة متمحورة حول النهاية في
نصوص أحد مبدعى هذا الفن في العالم العربي. هو الدكتور مصباح حجاوى.
النهاية متعة تسلق القمم :
نصوص هذا الكاتب مثيرة للإهتمام
وتجبر كل قارئ لها على التوقف عندها طويلا، ففضلا عن روعة السرد وقوة الحبكة
القصصية فيها والتى تتجه في خط صاعد نحو النهاية التى تشكل محور الثقل في النص
وزبدته وذروته وسنامه، النص عند دكتور مصباح تشبه قراءته صعود الجبل، ففيها رهق
جميل ومتعة لايدركها إلا عشاق فن تسلق الجبال، وتزداد المتعة كلما أقترب المتسلق
من قمة النص الشاهقة( نهايته) فكل خطوة نحو الأعلى تزيد من التشوق لبلوغ القمة
وتهيئ القارئ للقادم، القصة القصيرة جدا هنا لاتعتمد على التكثيف، بل تعتمد على
التشويق وقوة الخاتمة التى تماثل قرع الطبل في السكون، بل تماثل توهجاً ينجم عن
تفجير هائل فيضئ المكان كله ويبرزالتوهج تفاصيل المكان و حتى شقوق الأرض فيه ثم
يخبو بذات السرعة، منسحباً من المكان، تاركاً وهجه في الروح والعقل باقياً الى
الأبد مثل نيران المجوس التى تضئ من المهد الى اللحد. قصة دكتور مصباح هى نموذج
محكم لقصة النهاية المتوهجة التى يسهب النقاد في وصفها ويشرحها أي نص للكاتب مصباح
حجاوى شرحاً مستفيضاً دون أن ينبس ببنت شفة. وهذا مايميز الكاتب القصصي عن الناقد(
كونه يؤسس لتنظيره بالعمل على نصوصه لا على نصوص الآخرين)، في نصه الموسوم(على الشَّجَرَة )ِ تجسيد عملى للنهاية المتوهجة واتجاه خيط السرد الصاعد نحو قمة
الجبل:
تَسَمَّرَ تَحتَ الشَّجَرَة
ِالباسِقة ِ، ينظُرُ إلَيْها مُشْفِقاً ،)
وقَدْ أوشَكَتْ على السُّقوط ِ،
هاتَفَ رجالَ الإنقاذ
ِيَسْتَعْجِلُهُمْ .
تكاثَرَ الجَمْعُ ، ازدَحَمَت
ِالمَركَباتُ ، .. إنَّها بأعلى الشَّجَرَة ِ !
ألنّاسُ يسألونَ : منْ تَكونُ ؟
كيفَ صَعدَتْ للأعلى ؟ هلْ تريدُ الإنتِحارَ ؟
هلْ هيَ شابَّة ٌ ؟ هلْ هيَ جميلة
ٌ ؟ .... يسألونَ وينصرفونَ !
صَفَّقَ الحُضورُ ، وَضَجّوا
بالضَّحِك ِ،حينَ رَأوا المُنقِذ َ يهبط ُ السُّلَّمَ ،
وَعَلى كَتِفِهِ قِطَّة ٌ شَقراء ُ)
فالنص يبدأ بانفتاح على مشهد صاخب ومثير للفضول والخوف والرعب
(تَسَمَّرَ تَحتَ الشَّجَرَة ِالباسِقة ِ، ينظُرُ إلَيْها مُشْفِقاً ،وقَدْ
أوشَكَتْ
على السُّقوط ِ، هاتَفَ
رجالَ الإنقاذ ِيَسْتَعْجِلُهُمْ)
فنحن
أمام رجل وقف مشدوها تحت شجرة باسقة وهو ينظر
مشدوها ومشفقا على
(أنثى) بأعلى الشجرة مشار اليها بضمير الغائبة( الهاء) في كلمة(إليها) وبتاء
التأنيث في كلمة( أوشكت). وهذه الإشارات هى تمهيد ضرورى لمفاجأة الختام ، وهى
تمويه محكم لاتستقيم الحبكة بدونه، ولا تتحقق المفاجأة الصادمة بدونه.
وحتى
يكتمل التمويه وتتناسل الأسئلة ويزداد الفضول يحرك الكاتب الكاميرا في لقطة خارجية
تصور المشهد أسفل الشجرة:( تكاثَرَ
الجَمْعُ ، ازدَحَمَت ِالمَركَباتُ ، .. إنَّها بأعلى الشَّجَرَة ِ !ألنّاسُ
يسألونَ : منْ تَكونُ ؟ كيفَ صَعدَتْ للأعلى ؟ هلْ تريدُ الإنتِحارَ ؟هلْ هيَ
شابَّة ٌ ؟ هلْ هيَ جميلة ٌ ؟ .... يسألونَ وينصرفونَ ). في هذا المشهد الثانى
يخطو الكاتب خطوة الى الأمام، صاعدا نحو أعلي الجبل، فيجعل الناس الذين استبد بهم
الفضول يصدقون (إشارات الراوى) في المشهد الأول ويسلمون بان التى بأعلى الشجرة
أنثى آدمية، ويبدأوا في نسج القصص من خيالهم حول هويتها وسبب صعودها بأعلي الشجرة
وكيفية صعودها، ويتساءلون عن شكلها وسبب تفكيرها في الانتحار( ظنوا أنها أنثى
بائسة قررت الانتحار بالقفز من أعلى الشجرة)
وهكذا
يقترب القاص بالنص من قمة الجبل ويثير غبارا كثيفاً ويذر رمادا في العيون ومن ثم
وقبل أن يفيق الحالمون من أحلامهم وتفسيراتهم البعيدة كل البعد عن الحقيقة يقذف
بالحقيقة في وجوههم عارية كما ولدتها أمها مستمتعا بدهشتهم وربما خيبة أملهم،
مقدما الحل بعد ان أحكم العقدة، ليكتشفوا أن الحل بسيط جدا وبعيدا عن كل
خيال:( صَفَّقَ الحُضورُ ، وَضَجّوا
بالضَّحِك ِ،حينَ رَأوا المُنقِذ َ يهبط ُ السُّلَّمَ ،وَعَلى كَتِفِهِ قِطَّة ٌ
شَقراء ُ)
فالأنثى
لم تك سوى قطة شقراء!!! وهكذا يبدو المشهد في خاتمته صادماً وساخرا وموجعا،تماما
كما تبدو الأشياء من أعلى صغيرة وتافهة ومغايرة لصورتها من أسفل.أن القطة هنا تجسد
الحقيقة وجوهر الأشياء في الحقيقة، وهو دوما مختلف عن المظهر الخارجى واعتقادات
الناس وظنونهم وتفسيراتهم التى تبني على أنصاف الحقائق ونتفاً من الوقائع ، ثم
يتكفل خيالهم بنسج ماتبقي والتعامل معه على أنه الحق الذى لايأتيه الباطل من أى
جهة، فكون من بأعلى الشجرة ( أنثى) هو نصف الحقيقة ، وليس كل الحقيقة، لكن خيالات
الناس صنعت جبالا من الأوهام بناء على نصف الحقيقة وصدقتها وبنت عليها أوهاما
جديدة حتى صفتعهم الحقيقة صفعة موجعة بقصد إعادتهم الي رشدهم . وبذلك تحققت رسالة
النص عبر النهاية المتوهجة الصادمة.
ويواصل
الكاتب نفس منهجية الكتابة وبنية النص القصصي القصيرجدا في نصوص أخرى ، منها نصه
الموسوم(صورة) الذى يمارس فيه هواية تسلق القمم
صورَة ٌ...)
نافذَتي تُطلُّ على بِرْكَة ِسباحة
ٍفي حديقَة ِبيْت ٍكبير ٍمُجاور ٍ.
رَأَيْتُها .. سَمْراءَ ، رشيقَة ً
، تقفزُ في الماءِ بِخِفَّة ٍ.
تَغوصُ وتَختفي ، فأموتُ انتظاراً
حتّى تَظْهَرَ . ظَلَّتْ تُشاغلني ، وأنا أرقُبُ مَشْدوهاً .
.. الحارسُ الذي ضَبَطني ألتَقطُ بِهاتفي
صورةً ، والذي هَمَّ أنْ يُوَبِّخني ،انفجَرَ ضاحكاً وهوَ يرى في الماءِ تلكَ
البّطَّة السَّمراءَ الجميلة) .
فالنص
متماثل مع النص السابق في كونه مبنياً من عدة مشاهد، المشهد الأول الساذج البرئ
ظاهرياً يحتوى على التمويه المتعمد والإشارات المضللة الى (أنثى مفترضة) يتلصص
عليها الراوى وهى تسبح في بركتها الخاصة، التمويه يبدأ بجملة( رأيتها) فضمير
الغائبة هنا يشير الى المتلصص عليها الغافلة عمن يراقبها بدءا، ثم يتصل التمويه باستخدام أوصاف تنسب للمرأة دون
الرجل ( سمراء/ رشيقة) ويكتمل التمويه باستخدام أفعال منسوبة الى أنثى (تقفز/
تغوص/تختفى/ تشاغلنى)
ثم يظهر
الحارس في المشهد الثانى ويضبط الراوى بجرم مشهود، ليس هو التلصص فحسب، بل التلصص
ومحاولة التقاط صورة للمتلصص عليها، هنا بلغت الأحداث ذروتها، ومن ثم تجئ المفاجأة
الصادمة في جملة الختام حيث يكشف الراوى عن هوية المتلصص عليها، فيغدو الأمر
نكتة بدلا عن جرم فالمتلصص عليها هى (
مجرد بطة)!! وهكذا يحدث الإنفجار في وعى المتلقي فيكتشف كم أساء الظن بالراوى وكم
كانت نفسه مظلمة وهو يظنه يتلصص على جارته الحسناء، في حين أنه محب للطبيعة البكر
وللطيور، يشعر القارئ بالخجل عندها ،ومن المتوقع أن يعيد النظر في كامل الحالات
المماثلة التى اساء فيها الظن بغيره بناء على أنصاف الحقائق والأقاويل.وتلك هى
رسالة النص. ولايفوتنا الإشارة الى عدم اهتمام الكاتب بالتكثيف وسبب ذلك اهتمامه
الشديد بالنهاية على حساب التكثيف، فالتمويه في الاستهلال اقتضى الإسهاب في تفاصيل
يكتمل بها التمويه. وفي الحقيقة يمكن ان يعتمد الكاتب التمويه والتكثيف معا، وبذلك
تتحقق متعة القراءة والتأويل بلذة أكبر.
ويتكرر
الأمر في نص ثالث للكاتب نفسه هو نصه الموسوم( رجل وامرأة)
( رجُلٌ
.. وامرأةٌ
.. جَميلةٌ ، التَقَطَها
منَ الشّارع ِ، أمضّيا يومين جميلين ،
عامَلَها
كأجملِ ما يليقُ بأُنثى ، وَكأرقى ما يكونُ الرِّجالُ .
أحسَّتْ
بالدِّفْءِ بينَ أحضانِهِ ، واستشْعرتْ معهُ الأمانَ .
وَدَّعها
صباحاً مُتوجِّها لعملِهِ بعدَ أن اتَّفقا أن تبقى في منزلِهِ ، وكَمْ أسْعَدَها
ذلك .
عِنْدَ
الباب ِ التَفَتَ إليها ، وفَتَحَ محفظتَهُ .. مادتِ الأرضُ تَحتَ قَدَمَيها ..
.. حٓتّى سمعتْهُ يقولُ
: نسيتُ أن أكتبَ لكِ رقمَ هاتف ِالعمل ِ...)
فالكاتب
يستخدم تقنية النهاية الصادمة نفسها التى استخدمها من قبل، مع فارق ان النص هنا يدور حول سوء الظن
المباشر، بين شخصين ، في تفسير موقف لم يكتمل،فالمرأة التى التقطها البطل من
الشارع وتعامل معها كأنثى حقيقية، وليس كشئ له قيمة مادية فقط، ظنت حين أخرج الرجل
محفظته أنه سيعيدها من حلمها بأنها عوملت كأنثى
معززة ومكرمة الى واقعها المر كأمرأة تبيع نفسها مقابل المال، لكنه فاجأها
بانه لم يكن ينوى منحها نقودا، بل اراد اعطائها هاتفه في العمل لتتصل به مثلها مثل
زوجة تفتقد زوجها حين تحتاجه. هكذا كانت المفارقة في النهاية الصادمة كونه كان
يريد السمو بها ، وظنت انه يريد الرزاية بها، مابين ظنها وفعله تكمن المفارقة في
سوء ظنها به وحسن ظنه بها. وفي الحقيقة هذا النص ينقصه التكثيف، فالنص يمكن
الاستغناء عن كثير من زوائده ليصبح هكذا(جَميلةٌ ، التَقَطَها منَ الشّارع ِ،
أمضّيا يومين جميلين ،عِنْدَ الباب ِ التَفَتَ إليها ، وفَتَحَ محفظتَهُ .. مادتِ
الأرضُ تَحتَ قَدَمَيها .... حٓتّى سمعتْهُ يقولُ : نسيتُ أن أكتبَ لكِ رقمَ هاتف ِالعمل ِ...)، فالتكثيف
يسمو بالنص ، والتفاصيل تقتله، وصدق تشيخوف حين قال( الإيجاز صنو
الإبداع.).
وفي نصه الموسوم (أبجدية)يواصل الكاتب نهايته المتميزة بتفاصيل أقل:
( أبْجَدِيَّة ٌ
(وَقَفَ
مذْعوراً ، تُسابقُ دقّاتُ قلبِهِ دَقائِقَ الإنتظار ِ،
خَرَجَ مُديرُ الإمتحانات ِإلى
الشُّرفٓة ِ،
أدَرَكَ ( يحيى ) أنَّهُ سيموتُ
انتِظاراً ، فسوفَ تُقرأ ُالأسماء ُ بالترتيب ِالأبجَدِيِّ ،
تَنَحْنَحَ المُديرُ ، شربٓ مِنْ
كاس ِ الماءِ امامٓهُ ... النّتيجٓة ُ: لَمْ
يرسب أحد)
يقدم الكاتب نموذجا مختلفا للنهاية المتوهجة
وغير المتوقعة، فيبدو النص مثل مسابقة في فن التوقع يخيب فيها أمل المتوقع الذى
توقع كل شئ وأى شئ وعجز عن توقع الخاتمة التى حدثت بالفعل، فالتلميذ الخائف من
الرسوب توقع أن يقرأ المدير اسماء التلاميذ حسب الترتيب الأبجدى ، واذا فعل الناظر
ذلك فسينتظر التلميذ طويلا حتى الختام لان أسمه يبدأ بالياء وهى في آخر الترتيب،
لكن المفاجأة كانت ان المدير اختار اعلان النتيجة جرعة واحدة بجملة واحدة( لم يرسب
أحد). وهذا الخبر السعيد كان وقعه كا لصاعقة، ليس بسبب كونه خارج نطاق التوقع
فحسب، بل بسبب ان طريقة القول نفسها كانت غير مألوفة وغير متوقعة. في النص جماليات
أخرى زادته بهاءاً: (وقف مذعورا، تسابق دقات قلبه دقائق الانتظار) برغم غياب
التكثيف هنا، حيث كان يكفي القول (وقف مذعوراً) فقط أو القول( وقف ودقات قلبه
تسابق دقائق الانتظار) فقط، الا أن الجملة كانت مدخلا قويا للنص خدم النهاية
وجعلها منطقية مع هذا الكم الهائل من التوجس. وهناك استخدام جميل لأسم التلميذ(
يحي) والقول ( انه سيموت انتظاراً) فهنا عزف على سلم التضاد بين دلالة الأسم وفعل
الموت. وهناك تصوير جيد لهدوء المدير( تنحنح المدير وشرب من كأس الماء أمامه)،
فتوجس التلميذ يقابله هدوء المدير، لذلك جاءت جملة المدير( لم يرسب أحد) معبرة عن
ادراكه لتوتر التلاميذ ومحاولته احتوائه. القصة هنا مبنية على تخير لحظة دقيقة جدا
مشحونة بالقلق والتوتر العالى ومن ثم تسلق جبل الحدث الشاهق وصولا للنهاية الصادمة
والمتوهجة التى نشبه الى حد كبير كلمة النهاية التى كانت تكتب في الافلام القديمة
بكل اللغات.هي نصوص شاهقة عادت بالسرد القصير جدا الى ينابيعه ومنابعه الأصيلة
وخلصته من كثير مما علق به مما ليس له أصل فيه.فالسرد القصير جدا هو فن إقتناص
اللحظة الهاربة والسلم الصاعد نحو الأعلى والنهاية المتوهجة التى لاتتحقق إلا بعدم
الإسراف والإقتصاد في كل شئ، وقبل ذلك وجود الحكاية المروية.
المراجع:
1/ صبري
حافظ( البدايات ووظيفتها في النص القصصي) مجلة الكرمل عدد 21/22 ، 1986.
2/عبد
الملك أشهبون( البداية والنهاية في الرواية العربية) دار رؤية للنشر القاهرة 2013.
3/لطيف
زيتونى / معجم مصطلحات نقد الرواية/ دار النهار للنشر/ بيروت 2002.
4/ سيد
بحراوى/ دراسات في القصة العربية/ مؤسسة الأبحاث العربية بيروت 1986.
5/ ياسين
النصير/ الاستهلال في البدايات في النص الأدبي/ الهئية العامة لقصور الثقافة/
كتابات نقدية،.القاهرة1998.
6/ نصوص
قصصية قصيرة جدا للدكتور مصباح حجاوى نشرت بموقع الكترونى موسوم بملتقي القصة
القصيرة جدا بالاردن. https://www.facebook.com/groups/286642554843500/
Subscribe to:
Posts (Atom)



